فهرس الكتاب
الوجه السابع من الاعتبار: أن المشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة؛ فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تورث المحبة والموالاة، فكيف بالمشابهة في أمور دينية؟ فإن إفضاءها إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد، والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان، قال الله -تعالى-:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين".
المصدر: موقع الإسلام اليوم
الفرع الثاني: المرحلة المدنية
يتضح من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في المرحلة المكية أنها كلها كانت جهاد تربية وتزكية للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، على إخلاص العبادة لله وحده والطاعة الكاملة لأوامر الله سبحانه وتعالى، وترك كل أوضار الجاهلية وعاداتها، والدعوة إلى وحدانية الله تعالى وتسفيه أحلام المشركين والصمود أمام الأذى والمحنة، والتضحية في سبيل الله تعالى بالنفس والمال والأهل والولد، والانضباط الكامل تحت قيادة الرسول صلى الله عليه وسلم، فتحقق في أصحابه الركنان الأساسيان في دعوة الرُسل عليهم الصلاة والسلام، وهما التقوى والطاعة، إذ ما من نبي إلا دعا قومه إلى تحقيقهما: (فاتقوا الله وأطيعون) [الشعراء: 108] ، فكوَّن بذلك صلى الله عليه وسلم القاعدة الصلبة التي أرسيت عليها دولة الإسلام العظيمة في كل أقطار الدنيا بعد ذلك.
وبعد أن أبلى المؤمنون في مكة بلاءً حسنًا، وضُيِّق عليهم الخناق، وعلم الله تعالى أنهم ثبتوا على دينه الحق ثبوت الجبال الرواسي؛ قيض الله لهم نواة كتيبة الأنصار في السنة الحادية عشرة من البعثة المحمدية، إذ كان رسول الله صلى الله علليه وسلم يعرض نفسه على الناس في المواسم ليقبلوا دعوته ويحموه ليبلِّغ رسالة ربه، فوجد رهطًا من الخزرج فطلب منهم أن يجلسوا إليه ليسمعوا منه، فشرح لهم الإسلام ودعاهم إليه فأجابوه وقالوا له: (إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه في هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعزّ منك) [السيرة النبوية (1/429) ، الطبعة الثانية-الحلبية] .
ودعوا قومهم بعد رجوعهم فأجابهم كثير منهم، حتى فشا فيهم الإسلام، فلم تبقَ دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي العام المقبل وفد اثنا عشر رجلًا من الأنصار، فلقيهم الرسول صلى الله عليه وسلم عند العقبة فبايعوه، قال عبادة بن الصامت: (فبايعناه على أن لا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف) . وقال لهم: (فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئًا فأمركم إلى الله عزّ وجلّ، إن شاء عذّب وإن شاء غفر) [السيرة النبوية (1/433) ] .
وبعث صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير يقرؤهم القرآن ويصلي بهم، ويظهر من هذه البيعة تعميق معاني المرحلة المكية في نفوس المسلمين، وهي الإخلاص لله وحده، وتزكية النفوس وصقلها من الأخلاق السيئة التي اعتادها المشركون.
وفي العام المقبل وفدت كتيبة الله من أنصاره إلى مكة في موسم الحج، فواعدهم الرسول صلى الله عليه وسلم عند العقبة من أوسط أيام التشريق ليلًا، حيث تسللوا إليه بعد مضي ثلث الليل حتى اجتمعوا عند العقبة، وكان عددهم ثلاثة وسبعين رجلًا وامرأتين، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا إلى الله ورغَّب في الإسلام، ثم قال: (أُبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم) فبايعوه على ذلك، ودار بينهم حوار واستيثاق، وكان مما قاله أبو الهيثم بن التيِّهان: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالًا وإنا قاطعوها -يعني اليهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (بل الدم بالدم، والهدم بالهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم) [نفس المصدر (1/442) ] وأمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يُخرِجوا منهم اثني عشر نقيبًا، ففعلوا، وكان تسعة منهم من الخزرج وثلاثة من الأوس، وكانت شروط هذه البَيْعة تختلف عن شروط بيعة العقبة الأولى، وهي كما قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في عُسرنا ويُسرنا، ومنشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق أينما كنّا لا نخاف في الله لومة لائم) [السيرة النبوية (1/454) ] .