فهرس الكتاب
ويظهر في هذه البيعة العظيمة معانٍ جديدة تعتبر منطلقًا للمرحلة المدنية الجديدة:
1 )فالرسول صلى الله عليه وسلم بايعهم على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأولادهم، ومعنى هذا أنه تارك مكة ومهاجر إلى المدينة، وقد فهم ذلك الأنصار: (فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟) .
2 )كانت البيعة - أيضًا - على السمع والطاعة، في العسر واليسر والمنشط والمكره، والإيثار على أنفسهم، وعدم منازعة الأمر أهله، وقول الحق أينما كانوا، وألا يخافوا في الله لومة لائم.
3 )كان فيها أيضًا توحيد الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، ومقاطعة أعداء الله: (إن بيننا وبين الرجال حبلًا وإنا لقاطعوها) .
هذه المعاني مشبعة بالروح الجهادية والتحفز لبذل النفوس والأموال في سبيل نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنها كذلك.
وظهرت فيها الدقة في التنظيم حيث جعل على كل طائفة منهم نقيبًا يسمعون له ويطيعون، وجعل الموعد بينه وبينهم في ساعة غفلة عن أعين المشركين، تمكن فيها صلى الله عليه وسلم من تحقيق هدفه دون مضايقة أو أذى له أو لأنصاره المبايعين.
كما كان ترتيب لقائهم بالرسول صلى الله عليه وسلم دليلًا على الانضباط وكتم السر مع كثرة عددهم وإحاطة المشركين بهم.
ظهرت آثار ذلك كله عندما علمت قريش فأُسقط في أيديها وقد فات الأوان: (فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها حتى إذا أصبحنا غَدَت علينا جلّة من قريش فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حيّ من العرب أبغض إلينا أن تنشب بيننا وبينهم منكم، فانبعث مَنْ هناك من مشركي قومنا يحلفون بالله ما كان منا هذا الشيء وما عملناه، وقد صدقوا لم يعملوه، قال: وبعضنا ينظر إلى بعض) [السيرة النبوية (1/440-448) ] .
تابع للمرحلة المدنية
فكان إسلام الأنصار ومبايعتهم الرسول صلى الله عليه وسلم على حمايته ومقاطعة أعدائه منطلقًا لإقامة أول مجتمع إسلامي متميز على وجه الأرض بعد البعثة النبوية.
وأذن الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه في الهجرة من مكة إلى المدينة، فخرجوا جماعات وأفرادًا، تاركين أشرف بقعة على وجه الأرض، بها ديارهم وأموالهم وأهلوهم، طمعًا فيما عند الله تعالى من إعزاز دينه وإعلاء كلمته وإذلال أعدائه ورضاه عن أوليائه المؤمنين.
واستقبلهم إخوانهم الأنصار فآواهم ووفوا ببيعة نبيهم صلى الله عليه وسلم، والتحمت الكتيبتان: كتيبة المهاجرين وكتيبة الأنصار، وأخذ دين الله ينتشر في أهل المدينة حتى أصبح ذكر الله وتوحيده والإقرار برسالة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم يتردد في كل بيت وفي كل مكان، وبلغ الأنصار القمة في الإيثار وتحقيق الأخوة الإسلامية.
وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة إلا أن أذن الله له في الهجرة، وفي أثناء مدة انتظاره صلى الله عليه وسلم اشتد خوف مشركي قرشي من قاعدة تجمُّع المسلمين الجديدة، وأخذوا يتشاورون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنهم من رأى حبسه حتى يموت، ومنهم من رأى إخراجه من البلاد ونفيه، واستقر أمرهم بعد ذلك على قتله، كما قال تعالى لنبيه -بعد ذلك مذكِّرًا له وللمسلمين بنعمته تعالى عليهم حيث أنجاه من مؤامراتهم-: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك، أو يقتلوك، أو يخرجوك، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) [الأنفال: 30] .
وخطَّط رسول الله صلى الله عليه وسلم لهجرته التي رافقه فيها أبو بكر الذي كان يتلهَّف للَّحاق بإخوانه المهاجرين، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأذن له بالهجرة ليكون معه في أحرج المواقف المكية وآخرها، وهي الهجرة، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم عليًا رضي الله عنه بالنوم على سريره ليلة الهجرة، وخرج هو وأبو بكر رضي الله عنه، فاختفيا في الغار (غار ثور) ثلاثة أيام والمشركون يبحثون عنهما، وقد خصَّصوا مكافآت ثمينة لمن يقبض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفيقه.
ولكن الله كان معهما، ومن كان الله معه فلا غالب له: (إلا تنصروه فقد نصره الله، إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار، إذ يقول لصاحبه:: لا تَحزنْ إن الله معنا، فأنزل الله سكينته عليه وأيَّده بجنود لم تروها، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، والله عزيز حكيم) [التوبة: 40] .
وهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبله جند الله من المهاجرين والأنصار، وأحاطوا به إحاطة الهالة بالقمر، يأمرهم فيستبقون لتنفيذ أمره، وينهاهم فيجتنبون ما نهاهم عنه.
وبدأ صلى الله عليه وسلم يُرسي دعائم الدولة الجديدة التي لا يدري الناس في الجزيرة العربية، فَضْلًا عن بلاد فارس والروم وغيرهما من ممالك الدنيا، ما كانوا يدرون ماذا يكمن وراء تلك الدولة الناشئة من عواصف قصف لمعاقلهم وحصونهم، وسيوف حتف لرقاب طغاتهم وجبابرتهم، وأنوار هداية لشعوبهم.
تكوين نواة الأمة الإسلامية وأسسه
الأساس الأول: بناء المسجد