فهرس الكتاب

الصفحة 1105 من 1664

قال ابن القيم عليه رحمة الله: (قال الجمهور؛ دار الإسلام هي التي نزلها المسلمون وجرت عليها أحكام الإسلام، وما لم تجري عليه أحكام الإسلام لم يكن دار إسلام وإن لاصقها، فهذه الطائف قريبة إلى مكة جدا ولم تصر دار إسلام بفتح مكة) [18] .

وقال الإمام السرخسي رحمه الله:(عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى؛ إنما تصير دارهم دار حرب بثلاث شرائط.

أحدها؛ أن تكون متاخمة لدار الشرك ليس بينها وبين أرض الحرب دار المسلمين.

والثاني؛ ألا يبقى فيها مسلم آمن بإيمانه ولا ذمي آمن بأمانه.

والثالث؛ أن يظهروا أحكام الشرك فيها.

وعن أبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى؛ إذا أظهروا أحكام الشرك فيها فقد صارت دارهم دار حرب، لأن البقعة إنما تنسب إلينا أو إليهم باعتبار القوة والغلبة، وكل موضع ظهر فيه حكم الشرك؛ فالقوة في ذلك الموضع للمشركين) [19] .

وانتقد ابن قدامة الحنبلي شروط أبي حنيفة، فقال رحمه الله - بعد ذكر شروط أبي حنيفة-: (ولنا أنها دار كفار فيها أحكامهم، فكانت دار حرب) [20] .

فجعل ابن قدامة مناط الحكم على الدار؛ نوع الأحكام الجارية فيها، وللإمام السرخسي مثله في كتاب"السير الكبير" [21] ، ولأبي يعلى الحنبلي كذلك في كتاب"المعتمد في أصول الدين" [22] .

وقد تضمنت أقوال العلماء ذكر سببين للحكم على الدار، الأول؛ القوة والغلبة والثاني؛ نوع الأحكام المطبقة فيها، ولا تناقض بين السببين، لأن الغلبة والأحكام؛ قرينان، فلا يكون المتغلب متغلبا إلا إذا كان هو صاحب الأمر والنهي [23] .

قال عبد القادر عودة رحمه الله: (تعتبر دار للإسلام كل البلاد التي فيها سلطان للمسلمين سواء كان المسلمون فيها أغلبية أو أقلية... وكل الأماكن التي يسكنها مسلمون يستطيعون أن يظهروا فيها أحكام الإسلام ولا يمنعهم من ذلك مانع، ويدخل في دار الإسلام كل ما يتبعها من جبال وصحار وانهار وبحيرات وأراض وجزر وما فوق هذه جميعا من طبقات الجو، مهما ارتفعت، ويعتبر في حكم دار الإسلام كل مكان في دار الحرب يعسكر فيه الجيش الإسلامي) [24] .

[18] أحكام أهل الذمة: 01/366.

[19] المبسوط: 10/144.

[20] المغني: 10/95.

[22] ص 276.

[23] راجع الجامع في طلب العلم الشريف: 2/638، وما بعدها.

[24] التشريع الجنائي: 1/295.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (الكفار؛ إما أهل حرب وإما أهل عهد، وأهل العهد ثلاثة أصناف؛ أهل ذمة وأهل هدنة وأهل أمان، وقد عقد الفقهاء لكل صنف بابا... ولفظ الذمة والعهد يتناول هؤلاء كلهم في الأصل، وكذلك لفظ الصلح...) .

إلى أن قال:(... ولكن صار في اصطلاح كثير من الفقهاء"أهل الذمة"؛ عبارة عمن يؤدي الجزية، وهؤلاء لهم ذمة مؤبدة، وهؤلاء قد عاهدوا المسلمين على أن يجري عليهم حكم الله ورسوله، إذ هم مقيمون في الدار التي يجري فيها حكم الله ورسوله، بخلاف أهل الهدنة؛ فإنهم صالحوا المسلمين على أن يكونوا في دارهم - سواء كان الصلح على مال أو غير مال - لا تجري عليهم أحكام الإسلام كما تجري على أهل الذمة، لكن عليهم الكف عن محاربة المسلمين، وهؤلاء يسمون أهل العهد وأهل الصلح وأهل الهدنة.

وأما المستأمن؛ فهو الذي يقدم بلاد المسلمين من غير استيطان لها، وهؤلاء أربعة أقسام؛ رسل وتجار ومستجيرون حتى يعرض عليهم الإسلام والقرآن فأن شاءوا دخلوا فيه وإن شاءوا رجعوا إلى بلادهم، وطالبوا حاجة من زيارة أو غيرها، وحكم هؤلاء أن لا يهاجروا ولا يقتلوا ولا تؤخذ منهم الجزية، وأن يعرض على المستجير منهم الإسلام والقرآن؛ فإن دخل فيه فذاك، وإن أحب اللحاق بمأمنه؛ ألحق به ولم يعرض له قبل وصوله إليه، فإذا وصل مأمنه عاد حربيا كما كان) [25] .

قال صاحب"الجامع في طلب العلم الشريف": (وأظن أن كلمة"ألا يهاجروا فيها"تصحيف وتحريف، ولعلها"ألا يجاهدوا") .

[25] أحكام أهل الذمة: 2/475 - 476.

جاء في"المصباح المنير في غريب الشرح الكبير"، كتاب"الحاء والراء": (ودار الحرب؛ بلاد الكفر الذين لا صلح لهم مع المسلمين) اهـ.

فالحربي؛ كل كافر، ذكر، بالغ، ليس بينه وبين المسلمين عهد.

قال عبد القادر عودة رحمه الله عن الحربي: (هو أصلا ينتمي لدولة في حالة حرب مع الدولة الإسلامية، وهو أيضا من كان معصوما بأمان أو عهد فانتهى أمانه أو عهده، ومن المتفق عليه أن الحربي مهدر الدم، فإذا قتله شخص أو جرحه؛ فقد قتل أو جرح شخصا مباح القتل والجرح، ولا عقاب على فعل مباح) .

ثم قال: (أما إذا قتل في غير ميدان الحرب بغير مقتضى، كأن ضبط في دار الإسلام، أو استؤسر فقتله من ضبطه أو أسره، أو قتله غيرهما؛ فإن القاتل لا يؤاخذ باعتباره قاتلا، لأن الحربي مباح الدم، فيبقى دمه مباحا بعد الضبط أو الأسر، وإنما المسؤولية تأتي من كون القاتل اعتدى على السلطة العامة التي يوكل إليها من ضبط أو أسر من الحربيين) [26] .

تنبيه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت