فهرس الكتاب

الصفحة 1210 من 1664

فالموافقة في الظاهر تتعدى إلى الموافقة في الباطن..

( هدينا مخالف لهديهم)...

إن المخالفة تنقسم إلى قسمين:

مخالفة في أصل العمل، ومخالفة في صفتها..

-أما أصل العمل فمثل الأعياد.. فهذا ليس مشروعا لنا بحال أن نحتفل بأعيادهم..

-وأما الصفة، فإن من العبادات ماهو مشروع لنا ولهم مثل صيام عاشورا والصلاة والدفن، وهذا القسم وإن اتفقنا نحن وهم في أصل العبادة إلا أن الشرع أمرنا بمخالفتهم في صفتها، فأمرنا بصوم تاسوعاء أو اليوم الحادي عشر، وبتعجيل الفطر وتأخير السحور مخالفة لهم، والصلاة في النعال في بعض الأحيان، لأنهم لايفعلون ذلك، وسن لنا توجيه قبورنا إلى الكعبة، تمييزا لها عن مقابر الكافرين، وأن تكون لحدا لقوله: ( اللحد والشق لأهل الكتاب) رواه أحمد 4/362،363،

إن كل قواعد الشرع تؤكد ضرورة تعمد المسلمين مخالفة الكافرين في كل شيء تميزوا به في عاداتهم الخاصة، وفي عباداتهم الخاصة المخالفة آكد وأوجب، قال رسول الله:

(هدينا مخالف لهديهم) البيهقي باب الدفع من المزدلفة

طبعا لايدخل في هذا تقليدهم فيما فيه منفعة للبشرية، مما كان لهم سبق في تحقيقه كالعلوم والطب ونحوها، وإنما المقصود تقليدهم فيما تميزوا به في عوائدهم وعقائدهم التي لاتعود بالنفع على المقلد في دنياه، وتضره في أخراه، وتزيل العداوة بينه وبينهم، وتزرع المودة والولاء..

( الإبدال من الشيء يقضي بترك المبدل منه) ...

إذا عرفنا هذا الأصل في مشابهتهم فنقول:

موافقتهم في أعيادهم لا تجوز من طريقين:

الطريق الأول: تحريم الشرع التشبه بأهل الكتاب..

قال رسول الله: ( من تشبه بقوم فهو منهم) أبوداود في اللباس في لبس الشهرة

وقال: (خالفوا المشركين) ..

وقد قلنا إن الشرع يحرم موافقتهم فيما كان من عوائدهم، فكيف إذا كان من عباداتهم؟..

فالأمر أشد حرمة..

والطريق الثاني: ورود النصوص الخاصة في التأكيد على النهي عن موافقة الكافرين في أعيادهم..

فمن ذلك قوله تعالى: {والذين لايشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما} فعن مجاهد والربيع بن أنس وغيرهم من السلف:"هو أعياد المشركين"تفسير ابن كثير..

ومن الأدلة على النهي عن موافقة الكافرين في أعيادهم حديث أنس السابق:

( قد أبدلكم الله بهما خيرا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر) ..

فإن هذين العيدين الجاهليين لم يقرهما رسول الله ولاتركهم يلعبون فيهما، وأخبرهم بأن الله قد أبدلهم خيرا منهما، وهذا يعني صراحة عدم جواز الجمع بين عيد الإسلام وأعياد الكفار، إذ الإبدال من الشيء يقتضي ترك المبدل منه، مثل حديث المقبور يقال له:

( أنظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به خيرا منه مقعدا في الجنة) البخاري الجنائز

فهذا قد أبدل مقعدا في الجنة بدلا من مقعد في النار، وكذا أبدل المسلمون بعيدين هما الفطر والأضحى بدلا من أعياد الجاهلية والكفار..

ومما يدل على هذا أن ذلك اليومين الجاهليين قد ماتا في الإسلام، فلم يبق لهما أثر على عهد رسول الله ولا عهد الخلفاء، ولو لم يكن النهى عنه جازما لبقوا عليهما، فالعادات الراسخة مثل العيد الذي فيه فرح النفوس واللعب والأكل لاتزول بسهولة، وقد يعجز الحكماء والرؤساء عن نقل الناس عنها، لقوة تعلق القلوب بها، فلولا أنهم فهموا من النبي النهي عنها لكانت باقية، ولو على وجه ضعيف، فعلم من ذلك أن المانع والنهي شديد..

( العيد ... )

هذا والمحذور في أعياد أهل الكتاب أشد من المحذور في أعياد الجاهلية، لأن الأمة حذرت من مشابهة واليهود والنصارى، وأخبرت أن طائفة منها ستتبع أثرهم، بخلاف دين الجاهلية فإنه لا يعود إلا آخر الدهر، وجاء في الحديث أن رجلا أتى رسول الله فقال:

( إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة، فقال النبي: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟، قالوا: لا، قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟، قالوا: لا، قال: أوف بنذرك) أبو داود في الأيمان والنذور

فإذا كان الذبح لله وهو من أجل العبادات بمكان عيدهم منهيا عنه، فكيف بالموافقة في نفس العيد بتعظيمه والاحتفاء به؟..

والعيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد، إما بعود السنة أو الأسبوع أو الشهر أو نحو ذلك، والعيد يجمع أمورا:

-منها: اليوم العائد، كيوم الفطر والأضحى والجمعة..

-ومنها: الاجتماع فيه..

-ومنها: أعمال تتبع ذلك، من العادات والعبادات، كصلاة العيد واللعب في ذلك اليوم، قال ابن عباس: (شهدت العيد مع رسول الله) أي الصلاة والاجتماع..

-وقد يختص العيد بمكان بعينه أو يكون مطلقا، كقوله: ( لا تتخذوا قبري عيدا) ..

وكل من هذه الأمور قد يسمى عيدا، فالعيد يكون للزمن الذي يعظم على الدوام، ويكون للمكان المعظم على الدوام كذلك، وما يكون في الزمان والمكان من العبادات كالصلاة والذبح والذكر ونحوها، والعادات كاللعب والأكل ونحوها، وتعظيم أي زمان أو مكان لم يعظمه الشارع فهو بدعة محرمة، والنبي لما سأل:

(هل كان فيها وثن أو عيد)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت