فهرس الكتاب

الصفحة 1211 من 1664

إنما كان المقصود في الماضي لا في وقت السؤال، فإن القصة كانت في حجة الوداع، وحينذاك لم يكن قد بقي للمشركين عيد، ثم مع ذلك حرمه، مع أن المكان لم يعد فيه وثن ولا عيد، سدا للذريعة إلى بقاء شيء من أعيادهم أو إحيائها، فكيف بالمكان والزمان الذي لايزال يعظم من قبل أهل الكتاب ويتخذ عيدا؟..

فتعظيم المسلمين لها واتخاذها عيدا أعظم إثما لا ريب..

فإمام المتقين كان يمنع أمته منعا باتا قويا عن أعياد الكفار، ويسعى في دروسها، وطمسها بكل سبيل، بل ويسعى في تلقين أمته مخالفة أهل الكتاب في كثير من المباحات وصفات الطاعات، لئلا يكون ذريعة إلى موافقتهم في غير ذلك من أمورهم، ولتكون المخالفة في ذلك حاجزا ومانعا عن سائر أمورهم..

فإنه كلما كثرت المخالفة بينك وبين أصحاب الجحيم، كنت أبعد عن أعمال أهل الجحيم، وكنت أبعد عن عذاب الجحيم، فليس بعد حرصه على أمته ونصحة لهم غاية، وكل ذلك من فضل الله عليه وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لايعلمون...

( هذا عيدنا...) ..

قالت عائشة رضي الله عنها:

( دخل علي أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث، قال: وليستا بمغنيتين، فقال أبوبكر أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله؟، وذلك يوم عيد، فقال: رسول الله:( يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا، وهذا عيدنا) مسلم،

فقوله: (وهذا عيدنا) يوجب اختصاص كل قوم بعيدهم، كما قال تعالى:

{لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} ..

فإذا كان لليهود عيد وللنصارى عيد كانوا مختصين به فلا يجوز أن نشركهم فيه، كما لانشركهم في قبلتهم وشرعتهم، وكذلك لاندعهم يشركوننا في عيدنا، فإن الأعياد من جملة الشرع والمناهج والمناسك التي قال الله عنها:

{ لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه} ..

كالقبلة والصلاة والصيام، فلا فرق بين مشاركتهم في العيد وبين مشاركتهم في سائر المناهج..

فإن الموافقة في جميع العيد موافقة في الكفر، والموافقة في بعض فروعه موافقة في بعض شعب الكفر..

بل الأعياد من أخص ما تتميز به الشرائع، فالموافقة فيها موافقة في أخص شرائع الكفر، وكذلك قوله: (وهذا عيدنا) يقتضي حصر عيدنا في هذا فليس لنا عيد سواه..

وإذنه عليه الصلاة والسلام للصغيرتين بالغناء المباح الذي ليس فيه خنا ولامعازف، وإذنه باللعب للحبشة يدل على أن اللعب في أعياد المسلمين جائز، وأنه لايرخص في اللعب في أعياد الكفار، إذ لو ساغ ذلك لما قال:

(دعهما، فإن لكل قوم عيدا، وإن هذا عيدنا) ..

وعليه فلا يجوز أن نفعل في أعياد أهل الكتاب ما نفعله في عيد المسلمين..

وقد كان أرض العرب فيها من يهود ونصارى حتى أجلاهم عمر بن الخطاب في خلافته عملا بوصية رسول الله بأن لا يجتمع دينان في جزيرة العرب، وكانت لهم أعياد يتخذونها، ثم إن المسلمين ما كانوا يشركونهم في شيء من ذلك أبدا، ولايغيرون لهم عادة في أعياد الكافرين، وذلك لأنهم فهموا من دينهم منع ذلك، فالمقتضي قائم فلولا قوة المانع الشرعي لوجد الفعل..

وقد شرط عمر ـ واتفق الصحابة على ذلك ـ على أهل الذمة بعدم إظهار أعيادهم في دار الإسلام، وقال:"إياكم ورطانة الأعاجم، وأن تدخلوا على المشركين في يوم عيدهم في كنائسهم"، عبدالرزاق في المصنف باب الصلاة في البيعة

وعنه قال:"اجتنبوا أعداء الله في عيدهم"، السنن الكبرى للبيهقي

وعن عبدالله بن عمر ومثله عن عبدالله بن عمرو:"من بنى ببلاد الأعاجم فصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك يحشر معهم يوم القيامة"، البيهقي..

فعمر ينهى عن الاجتماع بهم في عيدهم، فكيف بمن يعمل عيدهم؟..

ومعنى كونه يحشر معهم إما أنه يموت كافرا مثلهم وهذا الأقرب، ولا أقل من أنها كبيرة من الكبائر..

( السر في المنع)

-إن السر في المنع من الموافقة للكفار في أعيادهم أن المشابهة تفضي إلى الكفر أو المعصية، وليس فيها أدنى مصلحة، فالموافقة توجب السرور والرضى بماهم عليه من الباطل، وهم يفعلون في أعيادهم المحرم والكفر والمباح، والموافق لهم في ذلك لايميز بين ذلك..

-ثم إن الموافقة تفضي إلى أن لايتميز المسلم عن الكافر، فإذا كان المسلم يفعل كما يفعل الكافر في دينه فأي ميزة تبقى له..

-ثم هذه الموافقة تفضي إلى المودة، والإنسان المتخذ أعياد الكفار عيدا له هو محب لهم لاريب أو على الأقل لايبغض دينهم، ولو كان مبغضا لهم حقيقة كما أمر الله لما وافقهم في شيء من ذلك..

إن الإنسان إذا عادى آخر لأجل دنيا، ترفع عن تقليده في أي شيء يختص به، فكيف بمن كان معاديا لله ولرسوله؟..

هذا أولى بالمعاداة والمخالفة لا الموافقة..

-والإنسان إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته، قلت رغبته في المشروع وانتفاعه به بقدر ما اعتاض من غيره، بخلاف من صرف همته ونهمته إلى المشروع، فإنه يعظم محبته له ويتم به دينه وإسلامه، ولذا تجد الذي يعتني بأعياد الكفار ويوافقهم فيها تقل رغبته في أعياد المسلمين، جاء في الأثر:

( ما ابتدع قوم بدعة إلا نزع الله عنهم من السنة مثلها) رواه أحمد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت