فهرس الكتاب
ولأجل ذلك كان الأصل عندنا في كل من انتسب إلى هذه الأجهزة والوظائف ، التي حقيقتها ، نصرة الشرك وأهله ؛ الكفر . فنحكم على كل واحد منهم بالكفر ونجري عليه أحكام الكفر بما أظهروه من أسباب الكفر ، ما لم يتبين لنا خلاف ذلك من قيام مانع معتبر من موانع التكفير في حق المنتسب للإسلام منهم فنستثنيه .. وقد قدمنا أن تبين الموانع في حق الممتنعين المحاربين ، غير واجب لامتناعهم ومحاربتهم ، لكن إن ظهر لنا شيء من ذلك في حق بعضهم لم نكفره ، وما لم يظهر ذلك فالأصل الظاهر عندنا منهم هوالكفر، وحقيقة أمر باطنهم إلى الله تبارك وتعالى ، وليس إلينا ، وقد أمرنا بالأخذ بالظاهر ، ولم نؤمر أن نشق عن صدور الناس ولا عن بطونهم ، ولأن أصل هذه الوظائف وظاهرها ما قد عرفت فنحن نعاملهم ونؤصل لهم على هذا الظاهر حتى يظهر لنا خلافه ، بخلاف غير ذلك من الوظائف والأعمال التي ليس أصل طبيعتها وحقيقتها نصرة الشرك أو أهله ؛ ولذلك فلا نقول أن الأصل في الأطباء مثلا الكفر ، حتى يتبين لنا خلاف ذلك ، ولا أن الأصل في المدرسين الكفر ، أو أن الأصل في تولي وظائف الدولة الكافرة كلها الكفر .. كلا فهذه الوظائف كما سيأتي لنا فيها تفصيل ، وليست حقيقة جميعها وطبيعتها نصرة الشرك وأهله ، نعم قد يوجد فيمن يتولى هذه الوظائف من هو من أنصار الشرك وأهله ولكن هذا ليس مختصا بحقيقة الوظيفة وماهيتها، كما قد يوجد من هو من أنصار الشرك وأهله من غير الموظفين ..
والخلاصة: أن هذا التأصيل إذا كان في وظيفة أو عمل حقيقته أنه سبب من أسباب الكفر الظاهرة ، كنصرة الشرك وأهله ، أو التشريع وفقا لنصوص الدستور الكفري ، ونحو ذلك من المكفرات الصريحة الظاهرة ، فلا حرج فيه عندنا ، ومعناه: إجراء حكم الظاهر على أصحاب هذه الوظيفة ، وإرجاء ما بطن من الأحكام إلى الله تبارك وتعالى.
(1) أنظر المغني ( كتاب المرتد ) ، (فصل: ولا يحكم بزوال ملك المرتد بمجرد ردته .. )
(2) أي أن مناط تلك الصفات ليس هو الدار ، بل وجود تلك الصفات أو موجبها في الشخص نفسه في أي بلد كان .
(3) حديث ( تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف ) متفق عليه .
(4) أنظر البداية والنهاية (6/308) .
(5) بل روي أنهم فعلوا ذلك عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأنه بعث إليهم يأمرهم بالقيام على دينهم والنهوض في الحرب والعمل في الأسود . أنظر تاريخ الطبري وغيره وروي أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم أثنى على فيروز لما جاءه خبر قتله للأسود وهو في مرض موته صلى الله عليه وسلم .
(6) مجموع الفتاوى ( 35/ 85) .
(7) تاريخ الخلفاء ص 13 ، وكان ميشا اليهودي عاملا بالشام ، وابن نسطور النصراني بمصر .
(8) وفي رواية للبيهقي (9/12-13) وغيره وفيها عنعنة الحجاج بن أرطأة: ( من أقام مع المشركين ، فقد برئت منه الذمة )
(9) أنظر على سبيل المثال ، المغني ( كتاب اللقيط ) ( فصل ولا يخلو اللقيط من أن يوجد في دار إسلام أو في دار كفر ..) ، وانظر روضة الطالبين ( 5/433-434) .
(10) أنظرعلى سبيل المثال المغني ( كتاب المرتد ) ( مسألة: وكذلك من مات من الأبوين على كفره ..)
(11) وقد نصت قوانينهم نفسها على ان طبيعة وظيفة هذه الأجهزة ومهمتها الرئيسة ؛ حفظ القوانين وتنفيذها ومولاة أهلها .
(12) انظر المغني (8/297) وتأمل تعليله لاستواء الردء بالمباشر في أحكام المحاربة ؛ بكون الحرابة مبنية على حصول المنعة والمعاضدة والمناصرة ، فلا يتمكن المباشر من فعله إلا بقوة الردء
[الكاتب: أبو محمد المقدسي]
ومن الأخطاء الشنيعة في التكفير أيضا عدم التفريق بين الكافر الممتنع وبين المقدور عليه، والتسوية بينهما في استباحة المال والدم دونما استتابه:
وهو ما يتقحمه بعض الغلاة من تكفير المستضعفين من عوام المسلمين في الأمور المحتملة أو نحوها، دون تبين أو نظر أو استتابه واعتبار للشروط والموانع، بل معاملتهم فورًا معاملة الممتنعين باستحلال دمائهم وأموالهم.
* والامتناع يرد على معنيين:
الأول: امتناع من العمل بالشريعة جزئيًا أو كليًا.
والثاني: امتناع عن القدرة، أي عن قدرة المسلمين أن يوقفوه ويحاسبوه.
ولا تلازم بين النوعين، فقد يكون الممتنع عن العمل بالشريعة أو بعضها مقدورًا عليه في دار الإسلام، كمن امتنع عن الصلاة أو الزكاة وهو فرد مقدور عليه في دار الإسلام.
• والامتناع الذي يسقط وجوب الاستتابة هو الامتناع عن قدرة المسلمين.
ومعنى الاستتابه؛ يشمل: طلب التوبة ممن حكم عليه بالردة.
ويشمل كذلك: تبين الشروط والموانع قبل الحكم عليه بالردة، وهذا هو المقصود هنا… ومنه تعرف أن عبارة العلماء التي ترد كثيرًا في كتب الفقه وغيرها: (من قال أو فعل كذا يستتاب …الخ) ، أنها لا تعني دائمًا أن المشار إليه قد كفر وتطلب منه التوبة، بل قد تعني أنه قد صدر منه فعل أو قول مكفر، ويجب تبيّن حاله، أي تبيّن الشروط والموانع حقه.