فهرس الكتاب

الصفحة 915 من 1664

(يا أيها الذين آمنوا) ألا تعملون بمقتضى الإيمان ، ودواعي اليقين ، من المبادرة لأمر الله ، والمسارعة إلى رضاه ، وجهاد أعدائه لدينكم ، فـ ( مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم إلى الأرض ) أي: تكاسلتم ، وملتم إلى الأرض والدعة والكون فيها .

( أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ) أي: ما حالكم إلا حال من رضي بالدنيا ، وسعي لها ، ولم يبال بالآخرة فأنه ما آمن بها .

( فما متاع الحياة الدنيا ) التي مالت بكم ، وقدمتموها على الآخرة ( إلا قليل ) أفليس قد جعل الله لكم عقولًا ، تزنون بها الأمور وأيها أحق بالإيثار ؟

أفليست الدنيا ـ من أولها إلى آخرها ـ لا نسبة لها في الآخرة .

فما مقدار عمر الإنسان القصير جدًا من الدنيا ، حتى يجعله الغاية ، التي لا غاية وراءها فيجعل سعيه ، وكده وهمه وإرادته لا يتعدى الحياة الدنيا القصيرة المملوءة بالأكدار المشحونة بالأخطار .

فبأي رأي رأيتم إيثارها على الدار الآخرة ، الجامعة لكل نعيم التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ، وأنتم فيها خالدون . فوالله ما آثر الدنيا على الآخرة من وقر الإيمان في قلبه ، ولا من جزل رأيه ، ولا من عُدَّ من أولى الألباب ، ثم توعدهم على عدم النفير فقال:

(إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا )

في الدنيا والآخرة ، فإن عدم النفير في حال الاستنفار من كبائر الذنوب الموجبة لأشد العقاب ، لما فيه من المضار الشديدة فإن المتخلف قد عصى الله تعالى ، وارتكب لنهيه ، ولم يساعد على نصر دين الله ، ولا ذَبَّ عن كتاب الله وشرعه ، ولا أعان إخوانه المسلمين على عدوهم ، الذي يريد أن يستأصلهم ، ويمحق دينهم ، وربما اقتدى به غيره من ضعفاء الإيمان ، بل ربما فَثّ في أعضاد من قاموا بجهاد أعداء الله ، فحقيق بمن هذا حاله أن يتوعده الله بالوعيد الشديد ، فقال: (إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا ويستبدل قومًا غيركم ولا تضروه شيئًا ) فإنه تعالى متكفل بنصرة دينه وإعلاء كلمته ، فسواء امتثلتم لأمر الله أو ألقيتموه وراءكم ظهريًا .

( والله على كل شيء قدير ) لا يعجزه شيء أراده ، ولا يغالبه أحد اهـ .

نسأل الله تعالى أن يرد المسلمين إلى دينهم ردًا جميلًا . وأن يرفع عنهم الذل والهوان .

والله تعالى أعلم .

الإسلام سؤال وجواب

سؤال:

بدأت الصلاة مؤخرًا وأسعى إلى التوبة من أعمالي السيئة التي اقترفتها في الماضي . وأعلم أن من شروط التوبة رد المظالم إلى أصحابها المسلمين . فماذا عن غير المسلمين ؟ قالوا لي إن مثلهم رفض الإسلام وبالتالي لا كرامة لهم . فإذا كنت قد سرقت من شخص غير مسلم ، فهل يجب رد الحق إليه علمًا بأني قد أتعرض بسبب هذا إلى مضايقات جنائية من قِبل غير المسلمين ؟ وماذا ينبغي أن أفعل مع هذه الأشياء التي اغتصبتها من غير المسلمين ؟.

الجواب:

الحمد لله

أولًا: نهنئك بمحافظتك على الصلاة وسعيك إلى التوبة ، ونبشرك بأن الله تعالى يقبل توبة من تاب إليه ويغفر ذنبه ، وقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( التائب من الذنب كمن لا ذنب له ) رواه الترمذي وحسنه الألباني .

ثانيًا: لا شك أن السرقة كبيرة من كبائر الذنوب وقد رتب الله عليها الحد في الدنيا والعقاب الشديد في الآخرة .

قال الله تعالى: ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ ) المائدة/38 . وقال النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ ) . رواه البخاري (6783) ومسلم (1687) .

والسرقة حرام سواء كان المسروق منه مسلمًا أم كافرًا معصوم الدم والمال ، أما الكافر المحارب للمسلمين فيجوز أخذ ماله ، لأن ذلك في حالة الحرب يعتبر غنيمة ولا يعتبر سرقة .

ثالثًا: أما أخذ أموال الكفار على سبيل الغدر والخيانة فهو محرم ، لأن الغدر محرم في الإسلام سواء مع المسلم أم مع الكافر .

روى البخاري (2583) عن المغيرة بن شعبة أنه كان قد صحب قومًا في الجاهلية ، فقتلهم وأخذ أموالهم ، ثم جاء فأسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أما الإسلام أقبلُ ، وأما المال فلستُ منه في شيء"، ورواية أبي داود (2765) :"أما الإسلام فقد قبلنا ، وأما المال فإنه مال غدرٍ لا حاجة لنا فيه ) ، وصححه الألباني في صحيح أبي داود ."

قال الحافظ ابن حجر:"قوله ( وأما المال فلستُ منه في شيءٍ ) أي: لا أتعرض له لكونه أخذه غدرًا ، ويستفاد منه: أنه لا يحل أخذ أموال الكفار في حال الأمن غدرًا ؛ لأن الرفقة يصطحبون على الأمانة ، والأمانة تؤدَّى إلى أهلها مسلِمًا كان أو كافرًا ، وأن أموال الكفار إنما تحل بالمحاربة والمغالبة ، ولعل النبي صلى الله عليه وسلم ترك المال في يده لإمكان أن يسلم قومه فيرد إليهم أموالهم . فتح الباري ( 5 / 341 ) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت