فهرس الكتاب

الصفحة 1110 من 1664

تقدم معنا في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا امتحن المهاجرة إليه فأقرت بالشرط بايعها، وجاءت أحاديث أخرى تبين مضمون هذه البيعة وأنه ما ورد في هذه الآية من سورة الممتحنة، فعن أم عطية رضي الله عنها قالت: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ علينا:"أن لا يشركن بالله شيئًا" [29] ونهانا عن النياحة.."الحديث [30] ، وكانت هذه الآية تعرف بآية بيعة النساء، وكان صلوات الله وسلامه عليه يعظ النساء ويأخذ عليهن هذه البيعة ففي الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب بعد، فنزل نبي الله صلى الله عليه وسلم فكأني أنظر إليه حين يُجلِّس الرجال بيده ثم أقبل يشقهم حتى أتى النساءَ مع بلال فقال:"يأيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئًا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتانٍ يفترينه بين أيديهن وأرجلهن"حتى فرغ من الآية كلها ثم قال حين فرغ:"أنتن على ذلك"وقالت امرأة واحدة لم يجبه غيرها: نعم يا رسول الله، لا يدري الحسن [31] من هي، قال:"فتصدقن"وبسط بلال ثوبه فجعلن يلقين الفتخ والخواتيم في ثوب بلال" [32] .

هذا ما تيسر عرضه من أسباب ومناسبات نزول آي سورة الممتحنة، ولسوف نرى فيما يلي من مفردات البحث أهمية تدبر هذه الآيات في سياق الفهم التطبيقي الذي تنزلت فيه، وآمل أن ييسر الله تعالى عرض ذلك وبيانه فيما بقي من البحث.

[11] صحيح مسلم - كتاب الإمارة - حديث 1864

[12] صحيح مسلم - كتاب الإمارة - حديث 1863

[13] مناهل العرفان - 107/1

[14] صحيح البخاري - كتاب المغازي - حديث 4274

[15] سورة الممتحنة - 8

[16] سورة الممتحنة - 8

[17] صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب صلة الوالد المشرك - حديث 5978 وما بين معقوفتين من كلامي

[18] صحيح مسلم - كتاب الزكاة - حديث 1004

[19] الجامع لأحكام القرآن - 54/18، ونسب الإمام القرطبي الخبر إلى الماوردي وإلى أبو داود الطيالسي في مسنده

[20] سورة الممتحنة - 10

[21] سورة الممتحنة - 10

[22] صحيح البخاري - كتاب الشروط - باب ما يجوز من الشروط في الإسلام - حديث 2711

[23] صحيح البخاري - كتاب الشروط - حديث 2731

[24] صحيح البخاري كتاب الشروط - حديث 2713

[25] الجامع لأحكام القرآن - 56-57/18

[26] سورة الممتحنة - 10

[27] سورة الممتحنة - 11

[28] صحيح البخاري - كتاب الشروط - حديث 2733

[29] سورة الممتحنة - 12

[30] صحيح البخاري - كتاب التفسير - حديث 4892

[31] الحسن بن مسلم راوي الحديث

[32] صحيح البخاري - كتاب التفسير - حديث 4895

وجوب تميُّز وتمحيص أفراد المجتمع المسلم

[الكاتب: وسيم فتح الله]

يمكننا القول أن مهمة الآيات السابقة من السورة تتمثل في تمايز الجماعتين المسلمة والكافرة ورسم حدود العلاقات بينهما، ولكن هل يكفي لقوة الصف المسلم أن يتميز عما هو في الخارج من جماعات أخرى، أم لا بد من تمحيص وتمييز أفراد الصف المسلم للتثبت من تحققهم بالحد الأدنى اللازم لثبوت الولاية الإيمانية لهم؟ لقد قدمت لنا هذه السورة نموذجين من نماذج هذا التمييز لأفراد المجتمع المسلم نعرضهما فيما يلي:

أولًا: الامتحان والاختبار:

إن التمحيص والامتحان أمرٌ ملازمٌ للتكليف، ولقد تقرر هذا المبدأ في هذه السورة المباركة من خلال آية الامتحان؛ فالتكليف بالهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ابتداءً وإلى دار الإسلام تبعًا لا بد له من ممحِّص يكشف مدى التجريد في نية المهاجر، وهذا ما تجده جليًا في قوله تعالى:"يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجراتٍ فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمناتٍ فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حِلٌ لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعِصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم" [93] ، قال الإمام القرطبي رحمه الله:"لما أمر المسلمين بترك موالاة المشركين اقتضى ذلك مهاجرة المسلمين عن بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، وكان التناكح من أوكد أسباب الموالاة فبيَّن أحكام مهاجرة النساء" [94] ، والحقيقة إن هذه الآية فيها الكثير من الدلالات المهمة المتعلقة بمسألة الولاء والبراء حري بنا أن نقف عندها، ولن أخوض كثيرًا في التفاصيل الفقهية المتعلقة بالنكاح لأن هذا مبسوط في موضعه ومظانه من كتب التفسير والفقه.

لقد تقدم معنا في مبحث أسباب النزول أن الله تعالى أنزل الآية آمرًا النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بامتحان المؤمنات الهاجرات وأن امتحانهن كان بآية البيعة على قول أمنا عائشة رضي الله عنها - ولا معارضة في ذلك لباقي الأقوال - وإن التدبر في هذه الآية يُلجئ المرء إلى تساؤل مهم وهو: لماذا كان الامتحان مختصًا بالنساء دون الرجال؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت