فهرس الكتاب
وهي قوله تعالى:"يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجراتٍ فامتحنوهن" [20] ، وقد تقدم معنا أن من بنود صلح الحديبية الاتفاق على أن من جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قريش بغير إذن وليه فإن على النبي صلى الله عليه وسلم رده إلى قريش، وكان هذا عامًا في الرجال والنساء على حدٍ سواء، فعن عروة بن الزبير أنه سمع مروان والمسور بن مخرمة رضي الله عنهما يخبران عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذٍ كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يأتيك منا أحد - وإن كان على دينك - إلا رددته إلينا وخليت بيننا وبينه، فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا منه، وأبى سهيل إلا ذلك فكاتبه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فرد يومئذٍ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلمًا، وجاءت المؤمنات مهاجرات وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ - وهي عاتق - فجاء أهلها يسألون النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن:"إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن"إلى قوله:"ولا هم يحلون لهن" [21] ، [22] وفي رواية أخرى مطولة من حديث عروة أيضًا وفيه: "ثم جاء نسوة مؤمنات فأنزل الله تعالى:"يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجراتٍ فامتحنوهن"حتى بلغ " بِعِصَم الكوافر"فطلق عمر يومئذٍ امرأتين كانتا له في الشرك.." [23] ، قلت: تأمل الفاء التي تفيد التعقيب والفورية وهكذا كان وقع كلام الله عز وجل في نفوس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمرون فينفذون بلا تردد ولا تلكؤ فرضي الله عنهم أجمعين.
وعن عروة قال: أخبرتني عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحنهن بهذه الآية:"يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن"إلى"غفور رحيم"، قال عروة: قالت عائشة: فمن أقر بهذا الشرط منهن قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قد بايعتك"كلامًا يكلمها به، والله ما مست يده يدَ امرأةٍ قط في المبايعة وما بايعهن إلا بقوله" [24] "
ونقل القرطبي رحمه الله ثلاثة أقوال في الذي كان صلى الله عليه وسلم يمتحنهن به وخلاصة هذه الأقوال ما يلي:
1)أنه كان يستحلفها ما خرجت لبغض زوج، ولا رغبةً من أرضٍ إلى أرض، ولا طلبًا لدنيا، ولا عشقًا لرجل من المسلمين، فإذا حلفت على ذلك قبل منها، وهذا منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما.
2)أنه كان يمتحنها بشهادة لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وهو أيضًا منقول عن ابن عباس.
3)أنه كان يمتحنها بالآية التي وردت بعد آية الامتحان وهي آية المبايعة وهذا ما صرحت به أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في الحديث المتقدم. [25]
قلت: ولا تعارض بين هذه الأقوال الثلاث وإن كان القول الأخير من القوة بمكان سندًا ومتنًا، ومدار الامتحان كله على تحرير النية والعمل فتكون نية الهجرة خالصة لله تعالى وتكون نفس الهجرة براءة من الكفر وموالاة لأهل الإيمان موالاةً صرفة خالصة لا تشوبها شائبة دنيا ولا هوى نفس ولا رغبة دنيا، وهو المطلوب.
رابعًا: سبب نزول الآية الحادية عشرة:
تقدم معنا أن عمر رضي الله عنه طلق اثنتين من نسائه كنَّ على الشرك فورما نزل قوله تعالى:"ولا تمسكوا بعصم الكوافر" [26] ، قال عروة: أخبرتني عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحنهن، وبلغنا أنه لما أنزل الله تعالى أن يردوا إلى المشركين ما أنفقوا على من هاجر من أزواجهم وحكم على المسلمين أن لا يمسكوا بعصم الكوافر أن عمر طلق امرأتين قريبة بنت أبي أمية وابنة جرول الخزاعي، فتزوج قريبةَ معاويةُ بن أبي سفيان وتزوج الأخرى أبوجهم، فلما أبى الكفار أن يقروا بأداء ما أنفق المسلمون على أزواجهم أنزل الله تعالى:"وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم" [27] والعقَب ما يؤدي المسلمون إلى من هاجرت امرأته من الكفار، فأمر أن يُعطى مَن ذهب له زوج من المسلمين ما أنفق من صداق نساء الكفار اللاتي هاجرن" [28] ، قلت: أي لما أنكر الكفار حق المسلمين في رد صداق نسائهم اللاتي يهاجرن إلى الكفار إليهم أمر الله تعالى المسلمين أن يعوضوا من ذهب ماله بهذا الوجه بإعطائه من الصداق الواجب رده إلى الكفار الذين هاجرت نسائهم منهم إلى المسلمين وذلك على وجه العقوبة، والشاهد هنا أن موجبات الولاء والبراء قد تترتب عليها تبعات مادية أو غير مادية تشق على المسلمين فلا يكون ذلك مانعًا من التزام أمر الله بهجر من يجب هجره وتولي من يجب توليه فإن الله هو الغني بذاته والكل مفتقرٌ إليه، ومن خشي العيلة جراء التزام أمر الله فإن الله تعالى متكفلٌ له برزقه وحاجته."
خامسًا: سبب نزول الآية الثانية عشرة: