فهرس الكتاب

الصفحة 1108 من 1664

تقدم معنا أن قريشًا نقضت عهد النبي صلى الله عليه وسلم بمظاهرتها على خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم وقد بيَّت النبي صلى الله عليه وسلم المسير لفتح مكة وعمى على ذلك وتستر عليه، وفي الصحيح أن عليًا رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوا منها، قال: فانطلقنا تعادي بنا خيلنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة قلنا لها أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب. فقلنا: لتُخرجِنّ الكتاب أو لنلقيَنّ الثياب. قال: فأخرجته من عقاصها.فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكة من المشركين يُخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا حاطب، ما هذا؟"قال: يا رسول الله لا تعجل علي، إني كنت امرأً ملصقًا في قريش، يقول: كنت حليفًا ولم أكن من نفسها، وكان معك من المهاجرين من لهم بها قرابات يحمون أهليهم وأموالهم فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتدادًا عن ديني ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أما إنه قد صدقكم"فقال عمر:"يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق"فقال:"إنه قد شهد بدرًا وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرًا قال اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم"فأنزل الله السورة:"يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق"إلى قوله"فقد ضل سواء السبيل" [14] ، وهذا الحديث والآية من أعظم الأصول المقررة لعقيدة الولاء والبراء كما سنبينه لاحقًا إن شاء الله، وسأرجئ التعليق على الحديث إلى موضعه من الكلام على الآية إن شاء الله.

ثانيًا: سبب نزول الآية الثامنة:

وهي قوله تعالى:"لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين" [15] ، فلقد أورد الإمام البخاري في صحيحه حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: أتتني أمي راغبةً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم أصِلها؟ قال: نعم" قال ابن عيينة - وهو شيخ شيخ البخاري في سند هذا الحديث - فأنزل الله تعالى فيها:"لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين" [16] ، [17] قلت: وهذا التصريح بسببية النزول غير مرفوع ولا موقوف، ولكن يشهد لصحته أن أسماء رضي الله عنها ذكرت هذه القصة في فترة العهد بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش - وهذا معنى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم الواردة في الحديث - كما جاء صريحًا في رواية مسلم قالت: "قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدهم، فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت:"يا رسول الله قدمت علي أمي وهي راغبة أفأصل أمي؟ قال نعم صلي أمك" [18] ، فهذه الرواية وإن لم تذكر سببية هذه القصة في نزول الآية إلا أنها صريحة في ذكر زمان القصة وهو الزمان الذي تعلقت به الأحداث والمناسبات التي نزلت السورة بسببها، كما تفيد هذه الرواية في التصريح بكون أم أسماء مشركة، والحقيقة إن الإمام القرطبي قد ذكر في تفسيره هذا الخبر جازمًا عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه أن أبا بكر الصديق طلق امرأته قُتيلة في الجاهلية وهي أم أسماء بنت أبي بكر فقدمت عليهم في المدة التي كانت فيها المهادنة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش فأهدت إلى أسماء بنت أبي بكر الصديق قرطًا وأشياء فكرهت أن تقبل منها حتى أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فأنزل الله تعالى:"لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين" [19] ، فالراجح والله أعلم أن هذا سبب نزول صحيح، وإن تحرير هذه المسألة مهم كما سيتبين معنا لاحقًا إن شاء الله.

ثالثًا: سبب نزول الآية العاشرة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت