فهرس الكتاب

الصفحة 1107 من 1664

فدار الإسلام هي التي تعلوها أحكام الإسلام وإن كان جمهور أهلها كفارًا كحال المدينة في أول الأمر قبل نبذ العهود وإجلاء اليهود، وكذا اليمن ونجران والبحرين والشام في زمن عمر رضي الله عنه.

ودار الكفر هي التي تعلوها أحكام الكفار وإن كان جمهور أهلها مسلمين كدار العبيديين الذين ملكوا مصر والشام والمغرب.

فمتى كانت الشوكة للكفار جرت أحكامهم وعلت ومتى كانت الشوكة للمسلمين علت أحكامهم لامحالة فالحكم للغالب لا المغلوب وأحوال البلاد كأحوال العباد تارة مؤمنة وتارة كافرة وذلك لأن صفتها عارضة ليست لازمة. والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.

وأما إذا طرأ على الولاة الكفر وهم مع ذلك لا يجرون أحكام الكفر في البلاد ولا يمنعون من إظهار شعائر الإسلام ولأهل الدين حوزة واجتماع على الحق وهم في ذلك مظهرون لدينهم ولا أحد يمنعهم من ذلك فالبلد حينئذٍ بلد إسلام لعدم إجراء أحكام الكفر عليها ولكن يجب إزالة هذا الحاكم المرتد وتنصيب غيره إن أمكن ذلك بلا مفسدة وفتنة.

2)وتنقسم دار الكفر إلى: كفار حربين أو كفار معاهدين.

فالحربيون: كأهل مكة قبل صلح الحديبية.

والمعاهدون: كأهل مكة بعد الصلح.

وأما أهل الذمة؛ فدارهم دار إسلام لأنهم تحت حكم المسلمين وبذمتهم آمنين فقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الجزية من اليهود والنصارى لقوله تعالى: {حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون} ، وأخذها (من مجوس هجر) أخرجه البخاري من حديث عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه [35] .

[35] الدرر السنية (9/ 248،257, 428) ، (8/،261- 263, 491، 497) ، وإجماع أهل السنة والجماعة جمع الزير (93) ، ومجموع الفتاوى (18/281- 284) ، (27/45،53، 143) ، (35/139) ، أحكام أهل الذمة لابن القيم (ج/269) وراجع تفسير السعدي سورة الحشر آية (9) ، وزاد العاد (3/108) .

أسباب النزول المتعلقة بسورة الممتحنة

[الكاتب: وسيم فتح الله]

إن سورة الممتحنة من السور التي وافقت حركة المجتمع المسلم في تنزلاتها في مرحلةٍ حرجة من مراحل صراع الدولة الإسلامية مع رموز الكفر آنذاك، ولعمر الحق إننا اليوم بحاجة إلى تدبر وتمعن هذه السورة وكأنها تتنزل علينا اليوم وذلك لشدة ملابستها للواقع المعاصر، ولسوف يبدو عيانًا لكل ذي بصيرة أن أسباب النزول التي سنتعرض لها في هذا الموضع لا تختلف عن مفردات واقع الصراع الذي تخوضه الأمة اليوم إلا في أسماء الأشخاص اللهم إلا ما كان له تعلق بشخص الرسول صلى الله عليه وسلم أو بأحداث دينية لا تتكرر بطبيعتها وإن كانت تتكرر نظائرها وأعني بطبيعة الحال الهجرة الأولى من مكة إلى المدينة فقد ثبت في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم:"لا هجرة بعد الفتح ولكن جهادٌ ونية وإذا استُنفرتم فانفروا" [11] ، فهذه الهجرة المخصوصة قد مضت لأهلها، ولكن بقي لها نظير في الهجرة المعنوية من الكفر إلى الإسلام ومن المعصية إلى الطاعة وأخرى حسية في هجرة دار الكفر إلى دار الإسلام وفي النفير لنصرة المسلمين كما دل عليه توجيه النبي صلى الله عليه وسلم لمجاشع بن مسعود السلّمي رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى اله عليه وسلم أبايعه على الهجرة فقال:"إن الهجرة قد مضت لأهلها ولكن على الإسلام والجهاد والخير" [12] . والشاهد على كل حال هو ضرورة عدم الوقوف ببصائرنا عند رسوم وشخوص أصحاب مناسبات نزول الآي، بل نتجاوز ذلك إلى صفات من نزلت فيهم ومناسبات هذه التنزلات حتى تتيسر لنا (معرفة حكمة الله تعالى على التعيين فيما شرعه بالتنزيل) [13] ، فآي القرآن التي أنزلها الله تعالى وبيَّن فيها شرائعه إنما تدور حول مصالح العباد جلبًا ومفاسدها درءً، ولا يمكن أن يتسنى لنا فهم ذلك فهمًا صحيحًا كاملًا إلا بالتدبر في آحاد الحوادث التي تتعامل معها آيات التنزيل ومفردات التشريع الإسلامي العظيم، ولقد اقتصرت فيما يلي على الصحيح مما ورد من أسباب ومناسبات نزول آيات هذه السورة العظيمة، فلنتأمل.

أولًا: سبب نزول فاتحة السورة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت