فهرس الكتاب
ومن أمثلة الغدر أن يكون الكافر قد دخل بلاد المسلمين بأمان ، أو دخل المسلم بلاد الكفار بأمان (كالتأشيرة) فإن مقتضى هذه التأشيرة أنهم يؤمنونه على نفسه وماله ، وفي هذه الحال يكونون هم أيضًا في أمان منه على أنفسهم وأموالهم ، فلا يجوز له الاعتداء عليهم أو غصب أموالهم أو سرقتها .
قال الشافعي رحمه الله فيمن دخل بلاد الكفار واستطاع أن يأخذ شيئا من أموالهم:": وإذا دخل رجل مسلم دار الحرب بأمان .. وقدر على شيء من أموالهم لم يحل له أن يأخذ منه شيئًا قلّ أو كثر؛ لأنه إذا كان منهم في أمان فهم منه في مثله، ...، ولأن المال ممنوع بوجوه: أولها: إسلام صاحبه . والثاني: مال من له ذمة . والثالث: مال من له أمان إلى مدة أمانه". الأم ( 4 / 284 ) .
وقال السرخسي::"أكره للمسلم المستأمِن إليهم في دينه أن يغدر بهم لأن الغدر حرام . . . فإن غدر بهم وأخذ مالهم وأخرجه إلى دار الإسلام كرهت للمسلم شراءه منه إذا علم ذلك لأنه حصله بكسب خبيث ، وفي الشراء منه إغراء له على مثل هذا السبب وهو مكروه للمسلم ، والأصل فيه حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه . . . ثم ذكر الحديث السابق". المبسوط ( 10 / 96 ) .
فإذا وفق اللهُ المسلمَ للتوبة من أخذ أموال الناس بغير حق ، فمن شروط هذه التوبة إرجاع الحقوق إلى صاحبها وإن كان كافرا، فإن كان هناك خوف من الفضيحة أو مضايقات جنائية في رد الحقوق إلى أهلها فإنه يجوز له أن يبحث عن الطريقة المناسبة التي تحفظ له كرامته ويُرجع فيه الحق لأهله من غير أن يحرج نفسه بأن يرسل له المبلغ بالبريد أو يوكل أحدا بإبلاغه دون أي يذكر اسمه وسرقته وذلك لأنه لا يشرط على من أراد أن يرجع الحقوق لأهلها أن يكشف عن نفسه وهويته ؛ إذ المقصود هو رجوع الحق إلى صاحبه .
قال الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله:"… فإذا سرقتَ من شخصٍ أو من جهة ما سرقة: فإن الواجب عليك أن تتصل بمن سرقت منه وتبلغه وتقول إن عندي لكم كذا وكذا ، ثم يصل الاصطلاح بينكما على ما تصطلحان عليه ، لكن قد يرى الإنسان أن هذا الأمر شاق عليه وأنه لا يمكن أن يذهب - مثلًا - إلى شخص ويقول أنا سرقت منك كذا وكذا وأخذت منك كذا وكذا ، ففي هذه الحال يمكن أن توصل إليه هذه الدراهم - مثلًا - من طريق آخر غير مباشر مثل أن يعطيها رفيقًا لهذا الشخص وصديقًا له ، ويقول له هذه لفلان ويحكي قصته ويقول أنا الآن تبت إلى الله - عز وجل - فأرجو أن توصلها إليه". فتاوى إسلاميَّة ( 4 / 162 ) .
ويراجع للأهمية جواب سؤال رقم ( 7545 ) ( 14367 ) ( 31234 ) من هذا الموقع .
الإسلام سؤال وجواب
سؤال:
أنا امرأة متزوجة ومنذ فترة تحسن عمل زوجي كثيرا والحمد لله ولكن بدلا من أن يشكر زوجي -هداه الله- الله عز و جل على هذه النعمة يصر على شراء بيت عن طريق الأقساط الربوية لقوله إن كثيرًا من العلماء أجازوا ذلك لمن يعيش في بلد غير مسلم ، فهل أطلب الطلاق أم أبقى مع زوجي والإثم عليه وحده ؟ وهل أكون آثمة إذا قمت باختيار بيت غالي الثمن لكي يشعر زوجي بأنه غير قادر على دفع أقساط عالية ويرتدع عن شراء بيت ربوي؟ أرجوكم لا تهملوا هذا السؤال لأنه مهم جدا . ماذا أفعل هل أطلب الطلاق أم ماذا؟ أرجوكم انصحوني فأنا حائرة جدا لأنه عندنا ولد.
الجواب:
الحمد لله
أولا:
لا يجوز شراء بيتٍ أو غيره عن طريق الربا ، سواء كان ذلك في بلاد إسلامية أو غير إسلامية ؛ لعموم الأدلة التي تحرّم الربا وتلعن آكله وموكله ، وهذا مذهب جمهور أهل العلم .
وذهب الحنفية إلى أنه يجوز أخذ الربا من الحربيين في دار الحرب، وتصحيح كل عقد أو معاملة تعود على المسلم بنفع ما دامت قائمة على التراضي، وليس فيها غش ولا خيانة.
قال الكاساني في"بدائع الصنائع" (7/132) :"وعلى هذا إذا دخل مسلم أو ذمي دار الحرب بأمان , فعاقد حربيا عقد الربا أو غيره من العقود الفاسدة في حكم الإسلام جاز عند أبي حنيفة , ومحمد - رحمهما الله - وكذلك لو كان أسيرا في أيديهم أو أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا , فعاقد حربيا ... وجه قولهما: أن أخذ الربا في معنى إتلاف المال , وإتلاف مال الحربي مباح , وهذا لأنه لا عصمة لمال الحربي , فكان المسلم بسبيلٍ من أخذه إلا بطريق الغدر والخيانة , فإذا رضي به انعدم معنى الغدر"انتهى .
وقال ابن الهمام في"فتح القدير" (7/39) :"الظاهر أن الإباحة تفيد نيل المسلم الزيادة , وقد التزم الأصحاب في الدرس أن مرادهم من حل الربا والقمار ما إذا حصلت الزيادة للمسلم نظرا إلى العلة"انتهى .
وينظر: تبيين الحقائق (4/97) ، العناية شرح الهداية (7/38) ، حاشية ابن عابدين (5/186) .
وقد تبين من هذا أن الحنفية يجيزون أخذ الربا من الكافر الحربي - في دار الحرب - ؛ لأن ماله مباح أصلا ، فيجوز أخذه برضاه عن طريق الربا .
وأما أن يدفع المسلم الربا للكافر ، فهذا لا يجوز .
وبهذا يتبين خطأ من يفتي المسلمين بدفع الربا في بلاد الكفر ، اعتمادا على مذهب الحنفية .