فهرس الكتاب

الصفحة 1143 من 1664

ومن هنا يمكننا - بإذن الله - إذا لم نمنع وقوع الأحداث أن نقوم بتقليل مفاسدها وسلبياتها وأن نوظفها قدر الإمكان لمصلحتنا، وهذا هو حال المؤمن -صاحب القلب الحي والعقل المستبصر- غير يائسٍ ولا متشائم قال تعالى: ( وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين ، وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا أغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ، فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين ) آل عمران 146-148.

د. سعد بن مطر العتيبي

السؤال:

هل يصح الاستدلال بتعامل الرسول _صلى الله عليه وسلم_ مع اليهود وعقده الصلح معهم على جواز التطبيع مع اليهود في هذا العصر ( ما يسمى دولة إسرائيل ) والتبادل التجاري معهم، وهل هذا من جنس الصلح المذكور في كتب الفقه؟

الجواب:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه .. أما بعد ..

فإنَّ الاستدلال بتعامل النبي _صلى الله عليه وسلم_ مع يهود، على جواز التطبيع، لا يصح ؛ لأوجه عديدة:

منها: أنَّ يهود في العهد النبوي لم يكونوا محتلين لبلاد المسلمين؛ وإنَّما معاهدون، سواء كان ذلك بصلح مؤقت ينتهي بانتهاء وقته، أو صلح مطلق ينتهي متى أراد المسلمون إنهاءه بشرط إعلام المصالحين بذلك ، وإمَّا أنهم صاروا رعايا من رعايا الدولة الإسلامية بدخولهم في عقد الذمّة ؛ كما في صلح أهل نجران ، وقصة خيبر، فمنها ما فتح عنوة بالقوة العسكرية ومنها ما فتح صلحا ، وعلِّق فيه بقاؤهم في خيبر بحاجة المسلمين . قال ابن عبدالبرّ:"أجمع العلماء من أهل الفقه والأثر وجماعة أهل السير على أن خيبر كان بعضها عنوة وبعضها صلحًا" (التمهيد ، لابن عبد البر:645) . وقال أبو العباس ابن تيمية عن أهل خيبر وفتحها:"فإنَّها فتحت سنة سبع قبل نزول آية الجزية ؛ وأقرّهم فلاحين وهادنهم هدنة مطلقة قال فيها: (( نقركم ما أقركم الله ) )" (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح:1/216-217 ) ؛ ولهذا أمر _صلى الله عليه وسلم_ عند موته بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب ؛ وأنفذ ذلك عمر رضي الله عنه في خلافته" (أحكام أهل الذمة ، لابن القيم:2/478) ."

فاليهود الذين تعامل معهم النبي _صلى الله عليه وسلم_ لم يكونوا محاربين ولا محتلين ، بل كانوا مسالمين خاضعين للشروط الإسلامية بالعهد ، وقد قال الله _عز وجل_:"لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" [الممتحنة8] ؛ ثم هم في حالة ضعف ، لا يقدرون على نشر ما يريدون من ثقافة وفكر ، بعكس واقع اليهود اليوم فهم محاربون غير مسالمين كما نرى ويرى العالم ، وهم يفرضون رؤاهم الفكرية والثقافية وقناعاتهم الباطلة ليسلم لهم بها الآخرون رغمًا عنهم ! وقد قال الله _عز وجل_:"إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" [الممتحنة9] .

ومنها: ما أشرت إليه في سؤالك بقولك: هل هذا من جنس الصلح المذكور في كتب الفقه ؟ وجوابه: أنَّك ذكرت في سؤالك مصطلحين مختلفين ، وهما ( الصلح ) و ( التطبيع ) ، وببيان مدلول كل منهما يظهر الفرق بينهما في الحكم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت