فهرس الكتاب

الصفحة 1340 من 1664

ونتيجة لمجموع هذه النتائج اتسع نطاق الانتساب للدعوة، وزاد عدد الملتزمين والمتعاطفين معها.

ولكن...

للجاهلية موقف تقليدي ثابت عند هزيمة أي عنصر من عناصرها:

-التبرؤ من المهزوم حتى لا تهبط الجاهلية إلى مستوى العنصر المهزوم...

-تأكيد النصح له وعدم استجابته للحفاظ على المستوى السياسي للجاهلية وعدم سقوطه مع العنصر الساقط...

-إدخال احتمالات غائبة في الموقف لتقليل التجاوب مع الحدث... وتضييع أثره السياسي.

ولعل أبرز هذه الاحتمالات الخاصة بالمنصة هو القول بأن أمريكا هي التي قتلته بعد انتهاء الاستفادة منه، وكتاب"خريف الغضب"هو أول من ترك مساحة فارغة للاحتمالات الخفية وراء الحادث، ولكن بمرور الوقت سيصبح من المناسب طرح التفسير المباشر للحادث كما يطرحه أعداء الدعوة، وسيكون أحد هذه الاحتمالات؛ وذلك حتى يكون الواقع أكثر تقبلًا لهذه الاحتمالات بقلة عدد الذين فعلوا الحادث أو عايشوه.

محمد بن شاكر الشريف

« ليس دين زال سلطانه إلا بدلت أحكامه ، وطمست أعلامه ، وكان لكل زعيم فيه بدعة ، ولكل عصر في وَهْيِهِ أثر » [1] ، كلمة عظيمة قالها إمام من أئمة عصره ، لو كتبت على حد تعبير الأقدمين بماء الذهب ، لم يوفها ذلك حقها ، وهي كلمة واضحة مفسرة لا تحتاج إلى مزيد شرح أو بيان ، والتاريخ البعيد والقريب ، والواقع الحاضر المشاهد ، شاهد على صدق ذلك ؛ فمع التزام المسلمين في الصدر الأول بالنظام السياسي الإسلامي [2] ، كان الدين قويًا وأحكامه محفوظة ، وأعلامه عالية مرفوعة ، وبمرور الزمن بدأ معدل الصعود الإسلامي يتناقص لأسباب متعددة من أهمها غياب سلطان الدين .

وسلطان الدين نوعان: نوع على القلوب ، ونوع على الجوارج يمثله النظام السياسي الإسلامي وكان ذلك الغياب على مستويين:

1 -المستوى العملي التطبيقي: إذ بدأ الحكم في الابتعاد شيئًاِ فشيئًا عن الالتزام بالنظام السياسي الإسلامي ، حتى آل الأمر إلى الانقلاب الكلي على ذلك النظام وحلول النظام العلماني محله على تعدد صوره وأشكاله .

2 -المستوى العلمي النظري: حيث جُهل الكثير من أحكام هذا النظام وحدوده وصلاحياته عند الساسة وصناع القرار ؛ فضلًا عن العامة ، فلم يعرفوا أصوله ومعالمه الرئيسة ، كما لم يعرفوا تفصيلاته وجزئياته أو هيئاته ومؤسساته .

وقد كان هذا الغياب على تلك المستويات مصداقًا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: « لَتُنتقضنَّ عرى الإسلام عروة عروة ؛ فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها ؛ فأولهن نقضًا الحكم ، وآخرهن الصلاة » [3] .

و المسلمون اليوم مطالبون بإعادة النظام السياسي الإسلامي والعودة إليه ؛ وذلك لا بد له من جهود قوية وعزمات ثابتة تتضافر على فعل ذلك ، منها جهود علمية ودعوية تشرح هذا النظام وتبين معالمه وأسسه كما تبين أحكامه التفصيلية ، ومنها جهود تطبيقية تقوم بالتمكين لهذا النظام وتطبيقه في الواقع ، وهذا المقال هو جهد دعوي يقدم في سبيل بيان عدد من الخصائص العامة ، أو المعالم البارزة التي يستند إليها هذا النظام الذي لم تعرف له الدنيا مثيلًا ، ولن تعرف طالما بقيت بعيدة عن هداية الوحي المعصوم المتمثل بالكتاب والسنة النبوية .

* الخصائص التي يتميز بها النظام السياسي الإسلامي:

-الأول: النظام السياسي نظام شرعي:

فهو ليس نظامًا وضعيًا تواطأ على وضعه مجموعة من الناس أو فئة وفق مقاييسسهم العقلية وتصوراتهم الشخصية أو خبراتهم التاريخية ، ويترتب على هذا الأصل عدة أمور منها:

1 -استمداد هذا النظام في أصوله وفروعه من الشرع: فأصول هذا النظام وفروعه ، أو قواعده وجزئياته ، أو هيئاته ومؤسساته إنما ترجع إلى الشرع وتستند إليه ، ويستدل عليها بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة النبوية .

2 -الكلمة العليا في النظام السياسي الإسلامي للكتاب والسنة: الكلمة العليا في هذا النظام وفي المجتمع وكل شيء إنما هي لله تبارك وتعالى ، ومظهر ذلك ودليله في الواقع: القبول والإقرار والتقيد بالشرع المنزل كتابًا وسنة ، والانصياع له ، والدوران في فلكه ، وعدم الخروج عليه . قال الله تعالى: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } ( الأحزاب: 36 ) . وفي الكتابات المعاصرة يختصر كثير من الكتاب تلك الجملة المطولة في لفظ واحد للدلالة عليه ألا وهو لفظ « الحاكمية » وهذا اللفظ يناظر اصطلاح « السيادة » الذي يستخدم في الدراسات القانونية الدستورية ، ومضمونها: تلك السلطة المطلقة المتفردة بتقرير الحق والإلزام به ، والتي لها وحدها دون شريك الكلمة العليا في أمر المجتمع والدولة ؛ بحيث لا توجد سلطة أخرى تساويها أو تدانيها ، فضلًا أن تعلو عليها [4] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت