فهرس الكتاب
وفقك الله لما يحبه ويرضاه، وجعل لك من كل ضيق مخرجا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
فتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 16 / ص 483)
المجيب عبد الحكيم محمد أرزقي بلمهدي
كلية الشريعة/ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/الجديد
التاريخ 30/05/1427هـ
السؤال
ما حكم الهجرة السرية من الجزائر إلى أوروبا؟
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فإن تعميم الحديث عن أحكام الهجرة إلى بلاد الكفر والإقامة فيها من أشكل المسائل اليوم؛ وذلك لكثرة تفاصيلها وتنوع حالاتها، واختلاف أعذار الناس الذين يرغبون في الهجرة إليها، ولكن هناك قواعد عامة إذا راعاها الفرد ربما يستطيع الاهتداء بها:
أولا: إن القاعدة العامة هي عدم جواز الإقامة في بلاد الكفر، وبين ظهراني المشركين، لقوله صلى الله عليه وسلم:"أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين". رواه أبو داود (2645) ، والترمذي (1604) .
ثانيا: إن من اضطر إلى الإقامة في تلك الديار، فللضرورة أحكام، والضرورة تقدر بقدرها.
ثالثا: أن على المقيم في تلك الديار ألا يكف عن البحث عن موقع في بلاد الإسلام يهاجر إليه.
رابعا: إن من غلب على ظنه أنه لا يقدر على وقاية نفسه وأهله في تلك الديار، فقد وجبت في حقه الهجرة.
خامسا: إن من الأسباب المبيحة للإقامة في بلاد الكفر: الخروج لأجل تحصيل علم، أو ممارسة دعوة، أو الخوف على النفس والمال من ظالم وهو يجد الأمان في بلاد الكفر...
وعلى كل راغب من غير من سبق أن يستفتي فتوى خاصة ممن يثق بدينه وعلمه.
ولا فرق عندي بين الهجرة السرية والعلنية في الحكم، وإن كانت الهجرة السرية فيها تعريض النفس للإهانة والصَّغار فيما لو قبض على الشخص. والله أعلم.
د- عبد الكريم زيدان
والسؤال عن مدى جواز دخول المسلم إلى دولة غير إسلامية ومدى جواز إقامته فيها ومدة هذه الإقامة وهل تلزمه الهجرة منها بعد قضاء مدة إقامته أو لا ، وماله علاقة بهذه التساؤلات والجواب ما يأتي:
أولًا: تمهيد: يقسم الفقهاء المسلمون البلاد والدول إلى قسمين كبيرين:
الأول: يطلقون عليه"دار الإسلام".
الثاني: يطلقون عليه"دار الحرب"ويريدون بهذا الإطلاق"دار الحرب"البلاد أو الدول غير الإسلامية، وقد عرف الفقهاء دار الإسلام ودار الحرب فقالوا عن دار الإسلام بأنها كل موضع أو أرض يحكمه المسلمون ويظهرون فيه شعائر الإسلام وأحكامه.
ويعرفون دار الحرب بأنها الدار أو البلد أو الدولة التي يحكمها غير المسلمين ويطبقون فيها أحكامهم.
ويلاحظ في هذا التعريف أن المنظور إليه في كون هذا البلد يوصف بأنه إسلامي أو أن هذه الدولة توصف بأنها إسلامية أي"دار الإسلام"حسب استعمال الفقهاء ينظرون إلى من يسيطر عليها ويحكمها فإن رأوا أن السيطرة للمسلمين وحاكمها مسلم قالوا دار إسلام ولا يقولون ويطبق فيها أحكام الإسلام.
وبعض الفقهاء يقولون إنها الدار التي يحكمها المسلمون ولا يقولون بتطبيق أحكام الإسلام فيها، والسبب في ذلك هو أن من البديهيات عند فقهائنا ومن اللوازم الضرورية أن كون هذا البلد يحكمه حاكم مسلم فالنتيجة البديهية هو أنه لا يحكم بغير الإسلام ولذلك لا يقولون يحكمها المسلمون ويطبقون أحكام الإسلام وبعضهم يذكر الأمرين زيادة في التوضيح.
ومما يؤكد هذا الذي أقوله أن فقهاء الشافعية أو بعضهم عرف دار الإسلام فقال:
(وليس من شرط دار الإسلام أن يكون فيها مسلمون بل يكفي أن تكون في قبضة الإمام وإسلامه أي أن تكون السلطة بيد هذا الإمام المشروط فيه أن يكون مسلمًا) وهذا يؤكد أن النظر في كون الدار دار إسلام هو كونها تحت سلطان المسلمين الذين لا يكون حاكمهم إلا مسلمًا، والشأن في الحاكم المسلم أن يطبق أحكام الإسلام، فلا يمنع هذا الإطلاق أن لا يوجد في هذه الدار أناس مسلمون مادام الحاكم يطبق حكم الإسلام.
وأما دار الحرب فيعرفها الفقهاء بأنها الدار التي يسيطر عليها غير المسلمين ويطبقون فيها أحكامهم وهذا التعريف يلتقي في نظرته مع النظرة في تعريف دار الإسلام وهو من يستولي على هذه الدار (المسلمون أو غيرهم) لأن تطبيق الأحكام يتبع ملة أو دين الحاكم الذي يختاره أهل تلك الدار.
ويلاحظ هنا أن بلاد المسلمين أو دولهم حتى ولو تعددت وصار لكل دولة من هذه الدول حاكم مسلم فإنها تعتبر في نظر الشرع بمنزلة دار واحدة، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - (وبلاد الإسلام وإن تعددت فهي بمنزلة البلدة الواحدة) ، وأهل هذه الدول الإسلامية المتعددة يعتبرون أمة واحدة وشعبًا واحدًا تجمعهم عقيدة الإسلام ، قال تعالى: ? إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ? [ سورة: الأنبياء آية 92] .
ومن هنا لم يعتبر فقهاء الإسلام المسلمين في مصر مختلفين في شيء عن المسلمين في بغداد.