فهرس الكتاب
وإن كان لكل منهما حاكم مستقل، وكذلك لما قامت دولة إسلامية في أسبانيا ظل ارتباطهم بهم كأنهم أهل بغداد فلا فارق بينهم في شيء قط .
ويلاحظ أن الأصل أن يكون للمسلمين دولة واحدة وخليفة أو حاكم واحد وهذه الحالة التي كان عليها المسلمون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين ثم بقى الحال كذلك زمن الدولة الأموية، ولكن بعد هذه الدولة صار المسلمون دولًا شتى فأخذ الفقهاء يقدمون التبريرات لمثل هذا التعدد للمسلمين في دولهم حتى يعتذروا بأن حكام هذه الدول حكام شرعيون يجب لهم الطاعة، ولكنهم لم يتنازلوا قط عن المطلوب شرعًا وهو أن يكون للمسلمين دولة واحدة وخليفة واحد وأن قبول هذا التعدد للضرورة وليس تطبيقًا لمقصد شرعي وهذا القبول من الفقهاء للتعدد وقف عند هذا الحد ولم يرتبوا عليه شروطًا أو واجبات بعد الدولة الأموية والعباسية ، ولا تزال هذه النظرة الفقيهة يؤخذ بها في وقتنا الحاضر وبيان الجواب للسؤال السابق يظهر فيما يلي:
أولًا: الأصل في دخول المسلم دارًا غير إسلامية هو الحظر والاستثناء هو الجواز بشرط أن يكون هناك مبرر لدخوله هذا أو إقامته في البلد غير الإسلامي الذي انتقل إليه ولا خلاف في هذا بين الفقهاء وإذا وجد سبب ما في هذا البلد غير الإسلامي كما لو كان غير مسلم أو مسلما ودخل دار الحرب وزال المبرر الشرعي لدخوله وجب عليه الخروج من هذه الدار إن أمكنه ذلك ولم تكن هناك حاجة ملحة أو مصلحة مؤكدة لبقائه إلى حين كما نبين ذلك إن شاء الله .
المبررات الشرعية لدخول المسلم دولة غير إسلامية ومدة إقامته فيها
المبرر الأول: الدخول لغرض التجارة المباحة:
ودليل هذا الجواز ما صرح به الفقهاء بناء على إقرار من الخليفة عمر رضي الله عنه دون مخالف له في هذا الإقرار ، فمن أقوالهم ما قاله صاحب المغنى ابن قدامه الحنبلي رحمه الله: (إنه مازالت عادة جارية في دخول تجارهم - تجار دار الحرب - إلى دارنا ، ودخول تجارنا إلى دارهم) وعمدتهم في ذلك أن الجابي للضرائب التي كان يستوفيها المسلمون من تجار أهل دار الحرب عند دخولهم دار الإسلام كانت بإذن وتقييم من عمر - رضي الله عنه- ، وقد ذكر ذلك الأحناف في كتبهم كما ذكر ذلك غيرهم من أن جباة الضرائب التجارية التي كان يستوفيها المسلمون من تجار دار الحرب إذا دخلوا دار الإسلام سأل أحدهم عمر - رضي الله عنه- كم نأخذ ضريبة من تجار أهل دار الحرب إذا دخلوا ؟ فقال كم يأخذون ضريبة من تجارنا إذا دخلوا دارهم فخذوا منهم بقدر ما يأخذون من تجارنا .
ففي هذا السؤال والجواب والتنزيل فيما يخص الضرائب التجارية دون إنكار من أحد صار دخول المسلم لغرض التجارة إلى دار الحرب أمرًا مشروعا لأنه حظي بهذا الإجماع وتطبيقه من جهة السماح للتجار المسلمين بالدخول إلى دار الحرب ، ولتجار غير المسلمين بالدخول إلى دار الإسلام واستيفاء الضرائب المسماة (بالعشور) وجابيها العاشر وسميت بذلك لأن الغالب هو العشر أو ما ينسب إليه كنصف العشر أو ضعف العشر، والإجماع دليل شرعي، ويبقى التاجر في إقامة مباحة في دار الحرب قدر ما تقتضيه تجارته وهذا المقرر في الذهاب والإياب ، ولا تقيد إباحة الدخول للتجارة ببضاعة معينة لأن الجواز جار مطلقًا ولم يسأل سيدنا عمر ولم يقيدهم بتجارة معينة ، فيبقى القيد العام وهو الإباحة الشرعية فلا يجوز الاتجار بشيء محرم شرعًا ، حتى ولو كان هذا المحرم مباحا في دار الحرب فلا يجوز مثلًا للمسلم أن تكون بضاعته المسكرات بأنواعها أو المخدرات أو ما يتبعها لأن الحرام لا يجوز أن يتعاطاه المسلم لنفسه كما لا يجوز أن يعين على تعاطيه من قبل غير المسلم، وفي القاعدة الفقهية (ما حرم أخذه حرم إعطاؤه) ومن أحكام هذا الدخول أن يلتزم المسلم بأخلاق الإسلام في تعاطيه التجارة فلا يغش ولا يخادع ولا يجوز له أن يخون أو يحتال على غير المسلم في تعامله مع المسلم في التجارة أو يسعى لسرقتهم ومخادعتهم لأنه لما أعطي الأمان والإذن في دخوله إلى دارهم فهذا الإذن والأمان تقتضيه هذه الالتزامات التي أشرت إليها .
ويلاحظ هنا أن هذا المبرر (التجارة) يشمل دخوله لبيع بضاعته في دار الحرب ويشمل شراء مباح من دار الحرب لجلبه إلى دار الإسلام وبيعه فيها ، فلا يجوز له أن يأخذ شيئًا محرمًا ليبيعه في دار الحرب ، ولا أن يشتري شيئًا محرما ليبيعه في دار الإسلام .
ويلاحظ هنا أن المقصود في هذه الإباحة قدر ما تقتضيه أمور التجارة وهي مقصورة على بيع بضاعته التي اتجر فيها ولا تشمل إقامته الدائمة ليفتح مركزًا تجاريًا يتخذه مقرًا يربط إقامته بها .
المبرر الثاني: الدخول للدعوة إلى الله تعالي: