فهرس الكتاب

الصفحة 734 من 1664

وأما كون الهجرة تتضيق بأمر الإمام بها فوجهه ما قدمنا من وجوب طاعة الأئمة فيما يأمرون به من الطاعة والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة كثيرة جدا.

قد كثر في الآونة الأخيرة هجرة كثير من المسلمين إلى بلاد الغرب .. فهل هؤلاء تكتب لهم هجرة في سبيل الله أم أن لهم حكم آخر ..؟ (1)

الجواب: الحمد لله رب العالمين. المسألة مردها إلى أمرين: الباعث الذي حمله على الهجرة، ونيته من وراء هجرته إلى بلاد الغرب أو غيرها.

أما الباعث: فيكون بالنظر إلى السبب الذي حمله على الهجرة، فإن كان سببًا وجيهًا ومعتبرًا في الشرع؛ كأن يكون في بلده الأصلي غير قادر على إظهار دينه، وممارسة شعائر دينه .. أو كان مهددًا ـ ظلمًا وعدوانًا ـ بالقتل أو السجن ونحوه .. ولم يجد بلدًا إسلاميًا يأويه أو يجيره .. ولم يجد سبيلًا لدفع هذا الظلم عن نفسه .. ووجد في البلد الغربي المهاجر إليه الأمان على نفسه وأهله .. والفرصة السانحة له لإظهار دينه .. وعبادة ربه على وجه أفضل مما يكون عليه وهو في بلده الأصلي .. فالباعث حينئذٍ يكون مشروعًا ومستساغًا.

أما النية: لا بد أن تكون نيته من وراء هجرته وإقامته في بلاد الغرب طلب السلامة لدينه ونفسه وأهله .. وعبادة ربه على الوجه الأكمل .. وليس طلب الدنيا وزينتها، أو امرأة ينكحها، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه"متفق عليه.

أقول: إن صلحت النية .. وصلح الباعث على الهجرة وكان معتبرًا في الشرع .. كتبت هجرته ـ إن شاء الله ـ هجرة في سبيل الله .. ولو كان بلد المهجر هي من دول الغرب .. مع ضرورة المحافظة على النية الصادقة بالخروج والهجرة منها عندما يتسنى له الخروج إلى دارٍ أكثر إيمانٍ وأمان .. وأقل فتنة على نفسه ودينه.

وإن فسدت النية .. وفسد السبب الباعث على الهجرة .. لا تعتبر هجرته هجرة في سبيل الله .. وربما يقع في الإثم والوزر بحسب المزالق التي يقع فيها في تلك الديار.

فإن قيل أين الدليل على ما تقدم ..؟

أقول: فقد هاجر الصحابة إلى الحبشة، وكانت دار كفر .. ولكن لما صلحت النية .. ووجد الباعث المعتبر على الهجرة .. كتبت لهم هجرة في سبيل الله.

وقال الإمام ابن حزم رحمه الله (2) :

"قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: فَصَحَّ بِهَذَا أَنَّ مَنْ لَحِقَ بِدَارِ الْكُفْرِ وَالْحَرْبِ مُخْتَارًا مُحَارِبًا لِمَنْ يَلِيهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ , فَهُوَ بِهَذَا الْفِعْلِ مُرْتَدٌّ لَهُ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّ كُلُّهَا: مِنْ وُجُوبِ الْقَتْلِ عَلَيْهِ , مَتَى قُدِرَ عَلَيْهِ , وَمِنْ إبَاحَةِ مَالِهِ , وَانْفِسَاخِ نِكَاحِهِ , وَغَيْرِ ذَلِكَ , لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَبْرَأْ مِنْ مُسْلِمٍ ."

وَأَمَّا مَنْ فَرَّ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ لِظُلْمٍ خَافَهُ، وَلَمْ يُحَارِبْ الْمُسْلِمِينَ، وَلا أَعَانَهُمْ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَجِدْ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ يُجِيرُهُ، فَهَذَا لا شَيْءَ عَلَيْهِ، لأَنَّهُ مُضْطَرٌّ مُكْرَهٌ.

وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الزُّهْرِيَّ مُحَمَّدَ بْنَ مُسْلِم بْنِ شَهَابٍ: كَانَ عَازِمًا عَلَى أَنَّهُ إنْ مَاتَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ لَحِقَ بِأَرْضِ الرُّومِ، لأَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ يَزِيدَ كَانَ نَذَرَ دَمَهُ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَهُوَ كَانَ الْوَالِي بَعْدَ هِشَامٍ فَمَنْ كَانَ هَكَذَا فَهُوَ مَعْذُورٌ.

وَكَذَلِكَ: مَنْ سَكَنَ بِأَرْضِ الْهِنْدِ، وَالسِّنْدِ، وَالصِّينِ، وَالتُّرْكِ، وَالسُّودَانِ وَالرُّومِ، مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانَ لا يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ هُنَالِكَ لِثِقَلِ ظَهْرٍ، أَوْ لِقِلَّةِ مَالٍ، أَوْ لِضَعْفِ جِسْمٍ، أَوْ لامْتِنَاعِ طَرِيقٍ، فَهُوَ مَعْذُورٌ.

فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مُحَارِبًا لِلْمُسْلِمِينَ مُعِينًا لِلْكُفَّارِ بِخِدْمَةٍ، أَوْ كِتَابَةٍ: فَهُوَ كَافِرٌ - وَإِنْ كَانَ إنَّمَا يُقِيمُ هُنَالِكَ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا، وَهُوَ كَالذِّمِّيِّ لَهُمْ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى اللِّحَاقِ بِجَمْهَرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَأَرْضِهِمْ، فَمَا يَبْعُدُ عَنْ الْكُفْرِ، وَمَا نَرَى لَهُ عُذْرًا - وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ.

(1) - انظر كتاب الهجرة مسائل وأحكام لأبي بصير

(2) - المحلى [مشكول و بالحواشي] - (ج 11 / ص 249) والمحلى بالآثار - (ج 1 / ص 6451) والمحلى لابن حزم - (ج 7 / ص 157)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت