فهرس الكتاب
إن الله سبحانه وتعالى وعد أولياءه بالنصر والتمكين ان هم نصروه والتزموا أوامره واجتنبوا نواهيه،وقبل كل ذلك وعدَ الله نُصْرَة الحق ، نُصْرَة الدين ، نُصْرَة التوحيد، نُصْرَة الإخلاص، نُصْرَة التقوى على كل من جابه هذه السبل النيرة التي أمر الله بها من فوق سبع سماوات،وعد بظهورها على الغير،وعد بتطبيقها على أرض الواقع ،ولكن طول الطريق قد يدخل الشكوك على نفوس الضعفاء فيحدثون أنفسهم بذلك وما هي في الحقيقة إلا وسوسة الشيطان لهم حتى يضلوا الطريق ،انه انتفاخ الباطل وصورته أمام الناس انه الزبد الذي يذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ،انه الطريق الشاق أمام حملة الحق فعليهم توطين أنفسهم حتى يمكن الله لهم،انه الباطل بجولاته التي يوهم فيها الناس ان الحق لا وجود له لقلة الناصرين ووحشة الطريق،واختفاء الصوت إلا من بعيد،من هنا تبدأ المفاصلة ،من هنا يبدأ المحك ،الذي يميز رجال الحق القليلين الغيورين المتربصين المراقبين لأنفسهم كل لحظة لعل الله ان يمن عليهم بالتمكين وهم في ساحة دعاة الباطل في جبهة مقابلة متمترسين خلف الآلاف الذين حمّلوهم الأفكار الباطلة وإلا كيف بنا نشاهد الآلاف المؤلفة تخرج كبوق ناعق في صدى الحق تنادي بنداء الاستعمار هيا لاستقلالنا هيا لانفصالنا عن سوانا ،لان أرضنا ودولتنا وشعارنا ملكا لنا،وفي هذا المجال يقول سيد قطب في الظلال:"ولقد يخيل للناس أحيانا ان واقع الحياة يخالف هذه الحقيقة التي يقررها العليم الخبير وذلك في الفترات التي يبدو فيها الباطل منتعشا كأنه غالب ،ويبدو فيها الحق منزويا كأنه مغلوب.وان هي إلا فترة من الزمان ،يمد الله فيها ما يشاء ،للفتنة والابتلاء .ثم تجري السنة الأزلية الباقية التي قام عليها بناء السماء والأرض؛وقامت عليها العقائد والدعوات سواء بسواء...".
هكذا هي حقيقة المؤمنين فإذا ابتلاهم الله بغلبة الباطل حينا من الدهر عرفوا أنها الفتنة وأدركوا وأيقنوا انه الابتلاء لان فيهم ضعفا أو نقصا ،وهو يريد ان يعدهم لاستقبال الحق المنتصر ،وكلما سارعوا في العلاج قصر الله في الابتلاء ،فيندفع الباطل ،والله يفعل ما يريد.
نعم إنها الجولة الأخيرة للباطل ،لأنها سنة الكون كثرة الباطل وأهله ،وقلة الحق ونصيره ،وطول طريق العلاج ولكن المحك هو في طريقة العلاج فحملة الحق يصلون ليلهم بنهارهم وهم يفكرون في طرق العلاج حتى يقصر الله في فتنتهم وابتلائهم ،ولكن أهل الباطل يدركون هذه الحقيقة فيصلون ليلهم بنهارهم في الجهة المقابلة وهي كل ما من شانه ان يعطل النصر وان يقصر في علاج الابتلاء.
ان الحق لا محالة ظاهر ،وان الباطل لا محالة زائل ،هكذا وعد الله لأوليائه ،وهكذا هي سنة الكون فستأتي الجولة التي ينتهي فيها حكم الشيطان ،ويبرز فيها حكم الله ،تطبيق العدل ،نشر الدين،بث الحياة في الناس كما أراد الله لهم،وسينتهي الباطل نهاية يسجلها التاريخ لا عودة لها البتة،لان ضربته على دماغه سوف تشل تفكيره في أذى حملة الحق فلا يعاوده ،وان عاوده فلا يأتي بجني ولا بخير ولا بمساهمة ولا بنتيجة،إنها النهاية الشنيعة للباطل وأهله الذي يقض مضجع كل من تسول له نفسه ان يقف في طريق الحق وأهله ،وان تأتيه الصحوة بان الحق لا محالة ظاهر وان جولته سوف تطول بإذن الله كل جلاوزة الظلم وترمي بهم سبعين خريفا في قعر جهنم فهم حصبها وسيظهر المؤمنون بدعوتهم الحق،وينشرون الدين والحياة في البشرية ويعم الخير الذي وعد الله به.
ويقول السباعي رحمه الله في كتابه النفيس هكذا علمتني الحياة:
لا يقاس الحق والباطل بقلَّة الأنصار أو كثرتهم، ففي كل عصور التاريخ بلا استثناء كان الباطل أكثر أتباعًا: ? وإن تطع أكثر من في الأرض يُضلوك عن سبيل الله ?.
لو كان تألب الناس على الحق دليلًا على بطلانه، لكان حقنا في فلسطين باطلًا، فإسرائيل لا تزال تخدع الرأي العام العالمي بوجهة نظرها، ومع ذلك فنحن لن نتراجع عن حقِّنا بكثرة أنصارها، وقلة أنصارنا.
الحق أقل أتباعًا وأقوى أنصارًا، والباطل أكثر أتباعًا وأضعف أنصارًا.
صراع الحق مع الباطل تمتد جذوره منذ أن وجد البشر على وجه الأرض، فهو من سنن الله القدرية التي فطر الخلق عليها، ولأن الشرع الحكيم قام على الحق، وقام ليعالج ما فطر عليه البشر من نوازع ورغبات ليقيمها على ما فيه صلاحها، فقد شرع الله للمسلمين أن يشرعوا ويبدءوا في إزالة الباطل واجتثاثه من جذوره، حتى لا تقوى أصوله، ولا تتجذّر آثاره في حياة الناس والخلق، ولذلك شرع الله الجهاد لعباده، وكان شعار هذا الجهاد هو: إقامة دين الله تعالى وإماتة الشرك... {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} .
وقد كشف الله مسيرة الصراع بعبارات رائعة تحمل في طياتها طبيعة الحق، وتكشف حقيقة الباطل، والمنهج القرآني هو منهج الحق والصواب وضدّه هو منهج السحرة والخرافيين.
(1) - مقالات بين منهجين - (ج 1 / ص 22)