فهرس الكتاب

الصفحة 715 من 1664

عَذَّبَ أَهْلَ قَرْيَةٍ فِيهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفًا مِنْ خِيَارِهِمْ وَسِتُّونَ أَلْفًا مِنْ أَشْرَارِهِمْ فَقَالَ: يَا رَبُّ هَؤُلَاءِ الْأَشْرَارُ فَمَا بَال الْأَخْيَارِ ؟ فَقَالَ: إنَّهُمْ لَمْ يَغْضَبُوا لِغَضَبِي وَآكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ * . وَعَنْ بِلَالِ بْنِ سَعِيدٍ: إنَّ الْمَعْصِيَةَ إذَا أُخْفِيت لَمْ تَضُرَّ إلَّا صَاحِبَهَا وَإِنْ أُظْهِرْت وَلَمْ تُغَيَّرْ أَضَرَّتْ بِالْعَامَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ * وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ لِأَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ كَيْفَ مَنْزِلَتُكَ فِي قَوْمِكَ ؟ قَالَ: حَسَنَةٌ قَالَ: إنَّ التَّوْرَاةَ تَقُولُ: إنَّ الرَّجُلَ إذَا أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنْ الْمُنْكَرِ سَاءَتْ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَ قَوْمِهِ , قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: صَدَقَتْ التَّوْرَاةُ وَكَذَبَ أَبُو مُسْلِمٍ . وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ عَلَى الْكِفَايَةِ فَمَنْ قَدَرَ أَنْ يُنْكِرَ بِيَدِهِ فَلْيَفْعَلْ كَإِهْرَاقِ الْخَمْرِ وَقَتْلِ الْخِنْزِيرِ وَالْحَبْسِ عَلَى الْحَقِّ وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ بِيَدِهِ فَبِلِسَانِهِ وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ فَبِقَلْبِهِ .

الفرار إلى الله لا يعني ترك تغيير المكنر

ولابد مع الفرار إلى الله من العمل الجاد المتقن في محاولة التغيير ، وليس في الاستكانة ولا الهروب بل لا بد من الوقوف في وجه الباطل

قال تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ * (18) سورة الأنبياء

و (بل) للإضراب عن الحديث في موضوع اللهو ; والعدول عنه إلى الحديث في الواقع المقرر الذي تجري به السنة ويقتضيه الناموس . وهو غلبة الحق وزهوق الباطل .

والتعبير يرسم هذه السنة في صورة حسية حية متحركة . فكأنما الحق قذيفة في يد القدرة . تقذف به على الباطل , فيشق دماغه ! فإذا هو زاهق هالك ذاهب . .

هذه هي السنة المقررة , فالحق أصيل في طبيعة الكون , عميق في تكوين الوجود . والباطل منفي عن خلقة هذا الكون أصلا , طاريء لا أصالة فيه , ولا سلطان له , يطارده الله , ويقذف عليه بالحق فيدمغه . ولا بقاء لشيء يطارده الله ; ولا حياة لشيء تقذفه يد الله فتدمغه !

ولقد يخيل للناس أحيانا أن واقع الحياة يخالف هذه الحقيقة التي يقررها العليم الخبير . وذلك في الفترات التي يبدو فيها الباطل منتفشا كأنه غالب , ويبدو فيها الحق منزويا كأنه مغلوب . وإن هي إلا فترة من الزمان , يمد الله فيها ما يشاء , للفتنة والابتلاء . ثم تجري السنة الأزلية الباقية التي قام عليها بناء السماء والأرض ; وقامت عليها العقائد والدعوات سواء بسواء .

والمؤمنون بالله لا يخالجهم الشك في صدق وعده ; وفي أصالة الحق في بناء الوجود ونظامه ; وفي نصرة الحق الذي يقذف به على الباطل فيدمغه . . فإذا ابتلاهم الله بغلبة الباطل حينا من الدهر عرفوا أنها الفتنة ; وأدركوا أنه الابتلاء ; وأحسوا أن ربهم يربيهم , لأن فيهم ضعفا أو نقصا ; وهو يريد أن يعدهم لاستقبال الحق المنتصر , وأن يجعلهم ستار القدرة , فيدعهم يجتازون فترة البلاء يستكملون فيها النقص ويعالجون فيها الضعف . . وكلما سارعوا إلى العلاج قصر الله عليهم فترة الابتلاء , وحقق على أيديهم ما يشاء . أما العاقبة فهي مقررة: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق) والله يفعل ما يريد . ( الظلال )

صرخة الحق قذف الباطل بدماغه فإذا هو زائل ،وللكفار ودعاته الويل مما يصفونه من صفات شنيعة لأهل الحق ودعاتُه ...إنها المعركة المحتدمة بين الحق والباطل ،المعركة بين الإسلام والشرك ،المعركة بين العدل والظلم،المعركة بين النور والظلام، المعركة بين حملة لواء الدعوة وبين حملة لواء الجريمة المنظمة ،وأنى لهذه المعركة الفتور وأنى لأصحاب الباطل نومهم الهاديء ،فيسقض الحق بثباته مضاجعهم ويقلق نومهم ويشوش فكرهم.ويقتل أملهم في الوصول إلى غايتهم ،إنها الإزالة عن الوجود لا محالة بعد ان يميز الله الخبيث من الطيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت