فهرس الكتاب
3 -اشتمال الكتاب والسنة على أحكام النظام السياسي جميعها: فالكتاب والسنة كافيان ومشتملان على جميع التشريعات والأحكام التفصيلية المحتاج إليها في النظام السياسي الإسلامي ، وليس هناك من حاجة إلى غيرهما في تقرير ذلك وبيانه ؛ فالكتاب والسنة منفردان بذلك ، ولا يقبلان المزاحمة من مصدر آخر .
4 -الحقوق والالتزامات تقررها النصوص الشرعية من الكتاب والسنة:
فتقرير الحقوق والالتزامات ، وعلاقة الراعي بالرعية ، وعلاقة الدولة المسلمة بغيرها من الدول إنما تتم بواسطة الشريعة ، وليس لجهةٍ سلطانٌ أو حقٌّ في تقرير تلك الحقوق والالتزامات ، أو تحديدها وتقييدها ؛ فضلًا عن تحويرها أو تغييرها أو إلغائها .
5 -السلطة في النظام السياسي الإسلامي مستمدة من الشرع: أساس السلطة السياسية في الدولة الإسلامية وحق الطاعة الممنوح للولاة ، إنما يرجع إلى الشرع ، ولا يرجع إلى الأمة أو الشعب كما هو الحال في الأنظمة العلمانية التي تجعل الأمة أو الشعب أساس السلطة السياسية في الدولة .
-الثاني: وجوب طاعة الأئمة والولاة في غير معصية:
وهذا قد دل عليه أدلة كثيرة متنوعة من الكتاب والسنة ؛ نذكر من ذلك على سبيل المثال قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ } ( النساء: 59 ) . وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: « السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ، ما لم يؤمر بمعصية ؛ فإذا أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة » [5] .
ويترتب على ذلك أمور منها:
1 -وجوب طاعة الإمام فيما أمر به ونهى عنه ، وكذلك طاعة الولاة المعينين من قِبَله .
2 -حرمة منازعة الإمام القائم بالشرع الأمرَ ، أو الخروج عليه بالسيف والسنان .
3 -منع كل وسيلة تذهب بهيبة الإمام أو الولاة ، أو تفضي إلى توهين العمل بطاعته واجتماع القلوب عليه .
لكن طاعة الإمام في النظام السياسي الإسلامي ليست طاعة مطلقة ، بل هي طاعة مقيدة بطاعة الإمام لله والرسول واتباع الشرع المنزل وتحكيمه بين الناس ؛ ولذلك فإن الشريعة تقر بحق المسلمين في نصح الولاة وإرشادهم إلى الخير وتحذيرهم من الشر ، والإنكار عليهم وفق القواعد الشرعية التي قررها علماء السياسة الشرعية ، كما تقر بحق الأمة ممثلة في أهل الحل والعقد منها في عزل ولاتها متى استوجب الوالي ذلك على النحو المفصل في كتب الفقه ، مثل أن يطرأ على الوالي الكفر والعياذ بالله . قال القاضي عياض - رحمه الله - فيما نقله عنه النووي: « أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر ، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر أنعزل » [6] . وقال ابن حجر: « ينعزل بالكفر إجماعًا ؛ فيجب عل كل مسلم القيام في ذلك ؛ فمن قوي على ذلك فله الثواب ، ومن داهن فعليه الإثم ، ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض » [7] .
-الثالث: التكامل بين الراعي والرعية أو بين الحكومة والشعب:
الحكومة ردف للشعب ، والشعب ردف للحكومة في ظل النظام السياسي الإسلامي « وذلك لأنهما متوازيان في الاتجاة نحو تحقيق المقاصد الشرعية ، ولذلك فهما معتبران سويًا من الأمة ، ولا تقوم بينهما علاقة الترصد والتعارض التي تقوم بين الشعب والحكومة في القانون الوضعي » [8] .
فالراعي والرعية ، أو الحكومة والشعب يؤمنون بعقيدة واحدة ، ويسعون لتحقيق هدف واحد ، من خلال شريعة واحدة ، وهذا من شأنه أن يوجد قدرًا كبيرًا من التوافق في الفكر والفهم ، وفي طريقة علاج الأمور ، وفي اختيار الوسائل المفضية إلى ذلك ، ولا يوجد بينهم من الخلاف في هذه الحالة إلا ما لا بد منه من الاختلاف أو التباين بين الناس في القدرة على الفهم والاستيعاب .
كما أن الجميع مطالبون بتنفيذ الأحكام الشرعية ، وتحقيق الأهداف التي دعت إليها الشريعة ، كل حسب وضعه والصلاحيات التي منحتها له الشريعة ، وينشأ مما تقدم بين الراعي والرعية علاقات الحب والمودة والرحمة ، والسعي المشترك والتعاون على تحقيق الأهداف ، وهذا بعكس العلاقة بين الراعي والرعية في الأنظمة الوضعية ؛ فإنها علاقة قائمة على تقسيم المجتمع إلى فئات: حكومية ومعارضة ، وهمُّ كل فئة أن تترصد للفئة الأخرى وتبحث عن أخطائها ونشرها بين الناس ، وإطلاق الشائعات ، أملًا في المحافظة على السلطة أو الوصول إليها .
وسائل تحقيق التكامل بين الراعي والرعية:
من دراسة النصوص الشرعية تظهر لنا ثلاث دوائر كبرى يتم من خلالها تحقيق ذلك التكامل وهي:
الدائرة الأولى: الشورى: