فهرس الكتاب
ففي الشورى يتم عرض الآراء ودراستها ممن يحسنون ذلك في الأمور المشكلة ، واختبارها لمعرفة كنهها ، واستخراج أفضلها وأنفعها وأيسرها وأقلها مؤونة ، فيستشير الراعي أهل العلم والفقه والخبرة من رعيته ، وتبذل الرعية المستشارة غاية جهدها في معاونة الراعي واستخراج أفضل ما تراه ، والراعي ينظر في كل تلك الأقوال لا يغلِّب رأيًا على رأي إلا لرجحانه عنده من جهة الشرع والمصلحة ، والرعية تقبل ذلك منه لعلمها بنصحه لهم وإرادة الخير للمسلمين . قال الله تعالى في وصف المؤمنين: { وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } ( الشورى: 38 ) .
وفي الشورى تنصهر الرعية والراعي في بوتقة واحدة ، ولا يكون الجميع إلا جسدًا واحدًا همه الوصول بالأمة في المسائل المعروضة إلى بر الأمان ، وتحقيق أعلى المصالح .
الدائرة الثانية: النصيحة:
والنصيحة هي إرادة الخير للمنصوح إما بدلالته على ما ينبغي فعله وحضه عليه ، وتيسير أسبابه والإعانة عليه ، وإما بدلالته على ما ينبغي تركه واجتنابه ، وحثه على الابتعاد عن ذلك ، ومعاونته فيه .
والنصيحة تبذلها عامة الرعية لولاتهم ، كما يبذلها الولاة للرعية ؛ فالرعية تنصح الراعي ، والراعي ينصح الرعية ، وهو واجب على الجميع ؛ ففي نصح الراعي للرعية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما من أمير يلي أمر المسلمين ، ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة » [9] . قال النووي - رحمه الله -: « وفي هذه الأحاديث وجوب النصيحة على الوالي لرعيته ، والاجتهاد في مصالحهم ، والنصيحة لهم في دينهم ودنياهم » [10] . وفي نصح الرعية للراعي يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: « الدين النصيحة . قلنا: لمن ؟
قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم » [11] ، قال ابن حجر - رحمه الله -: « والنصيحة لأئمة المسلمين: إعانتهم على ما حُمِّلوا القيام به ، وتنبيههم عند الغفلة ، وسد خَلَّتهم عند الهفوة ، وجمع الكلمة عليهم ، ورد القلوب النافرة إليهم ، ومن أعظم نصيحتهم دفعهم عن الظلم بالتي هي أحسن » [12] .
الدائرة الثالثة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
وهو الأمر بما أرشد الشارع إليه من قول وفعل ، والنهي عما حذر منه ، وهو يهدف إلى نشر الخير وإذاعته ، وإشاعته ، والتضييق على المنكر وحصره ، ومن ثم إزالته ، وهو واجب يتكامل فيه الراعي والرعية لتحقيق الهدف المنشود من ذلك .
قال الله تعالى: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ } ( التوبة: 71 ) . وقال تعالى: { الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَر } ( الحج: 41 ) . وقال الرسول صلى الله عليه وسلم في أمرِ الرعيةِ ولاةَ أمورهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر: « ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون ؛ فمن عرف برئ ، ومن أنكر سلم ، ولكن من رضي وتابع ، قالوا: أفلا نقاتلهم ؟ قال: لا ؛ ما صلوا » [13] . وقد بوَّب النووي على هذا الحديث ونحوه « باب وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع ، وترك قتالهم ما صلوا ونحو ذلك » [14] . فالجميع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر تكميلًا للخير وتقليلًا للشر في سعي دائب نحو هدف مشترك يسعى الجميع لتحقيقه .
فهذه الدوائر الثلاث يعمل من خلالها ذلك الأصل ، ويؤلف بينها في نسيج واحد ، وكل واحدة من هذه الدوائر لها أحكام تفصيلية كثيرة خاصة بها ، ليس المقام مقام بسطها والحديث عنها .
-الرابع: التوازن بين الحكومة والرعية:
الحكومة قوة بما تملكه من الجيوش والعتاد العسكري ، وبما تملكه من حق الطاعة على الرعية . والرعية قوة بما تملكه من الكثرة العددية والقدرة على التحرك فيما بينها ، وبعض هذه القوى أكبر من بعض وأضخم ، ويختلف ذلك باختلاف الزمان والمكان ، والأحوال المحيطة ، وقد يحدث تحت تأثير تلك القوة المتزايدة لأحد الطرفين على الآخر ، أن يطغى الطرف الأقوى على الطرف الأقل قوة ؛ لذا كان من خصائص هذا النظام الرباني إحداث التوازن بين القوى المكونة للأمة .
دلائل ومظاهر التوازن في النظام السياسي الإسلامي:
1 -ثبات التشريع الإسلامي:
الأحكام الشرعية في الإسلام ثابته ثبات الطود الأشم ، لا تقبل التعديل أو التحوير ، أو التبديل أو الإلغاء من قِبَل آية فئة من الناس سواء أكانوا حكامًا أو محكومين ، أكثرية كانوا أو أقلية ، مما يمنع أي قوة من قوى المجتمع من استخدام نفوذها أو ثقلها في المجتمع في إحداث تشريعات جديدة أو تغييرات في التشريعات الموجودة تدعم بها أوضاعها ، وتضعف الآخرين أمامها ، بعكس النظم الوضعية ( الديمقراطية ) حيث التشريع فيها للبشر ، فيملك الحزب الحائز على الأغلبية في المجلس النيابي ( البرلماني ) إحداث تشريعات جديدة ، أو تغيير تشريعات قائمة يدعم بها أوضاعه أو يضعف بها معارضيه .
2 -عدم جواز تعطيل الشريعة: