فهرس الكتاب

الصفحة 1343 من 1664

فالتشريع الإسلامي دائم لا يجوز تعطيله بصورة دائمة ، أو تعليق العمل به مدة من الزمن تحت أي ظرف من الظروف ، أو مسمى من المسميات ، مما يمنع أي قوة من قوى المجتمع من التفلت من الأحكام الشرعية وعدم التقيد بها .

3 -كفالة شرعية النظم واللوائح:

قد يحدث في بعض الظروف أن تتمكن قوة من قوى الأمة من استحداث تشريعات تخدم مصالحها ، وتكرس بها من وضعها ، مما يضعف قوة باقي القوى في المجتمع ؛ لذا فإن الشريعة قد كفلت شرعية جميع النظم واللوائح التي يجري العمل بها بحيث يبطل كل نظام أو تشريع أو لائحة مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ، وذلك أن كل ما خالف الكتاب أو السنة أو الإجماع فهو منقوض ، وعلى القاضي نقض هذه التشريعات والنظم واللوائح إن وجدت ؛ وقد دل على ذلك أدلة كثيرة ذكر بعضًا منها الإمام البخاري في صحيحه ، ثم بوب عليها بقوله: باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ خلاف الرسول -صلى الله عليه وسلم- من غير علم فحكمه مردود » [15] . فنقض التشريعات أو الأنظمة التي قد تسنها الحكومات مخالفة للأحكام الشرعية يمثل توازنًا بين الحكومة والرعية .

4 -التحكيم بين الحكومة والرعية في مسائل النزاع:

قد ينشأ بين الأمة أو جزء منها وبين الحكومة أو السلطة نزاع ، بحيث يظن كل فريق من المتخاصمين أن الحق معه وأن الأدلة الشرعية تصوب موقفه ، وقد يتمسك كل فريق بموقفه ولا يسلم للآخر بموقفه ، وهذه المشكلة يلجأ النظام السياسي الإسلامي إلى حلها عن طريق التحكيم أولًا ، فتتكون لذلك محكمة بين الطرفين المتنازعين على وفق الكتاب والسنة ، وعلى الطرفين أن يقبلا بما انتهت إليه المحكمة ، والأصل الشرعي لهذه المحكمة هو قول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } ( النساء: 59 ) . والرد إلى الله سبحانه وتعالى يكون بالرجوع إلى كتابه والاحتكام إليه ، والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بعد موته - بأبي هو وأمي - يكون بالرجوع إلى سنته والاحتكام إليها ، ومن هذا الرد إلى الكتاب والسنة تنشأ تلك المحكمة المعنية بالفصل في النزاع الذي قد ينشب بين الراعي والرعية .

والأصل التاريخي العملي من سير أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم الذين هم القدوة والأسوة من بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ، تلك المحكمة التي تكونت للفصل فيما نشب بين الحكومة ممثلة في علي بن أبي طالب الخليفة الراشد - رضي الله عنه - ، وبين بعض الأمة ممثلة في معاوية - رضي الله عنه - ومن معه ، فيما عرف بحادثة التحكيم المشهورة ، وهذه المحكمة لا يشترط فيها أن تكون ذات تشكيل ثابت دائم ؛ فإن هذا مخالف للغرض من إنشائها ، بل يتم تشكيلها فقط عن الحاجة إليها ؛ حيث يختار كل طرف من المتنازعين قضاة من قِبَله من أهل العلم والدين ، ثم تنفضُّ المحكمة بعد صدور الحكم ؛ وذلك لانتهاء السبب الداعي إلى تشكيلها ؛ فلا يحكم أحد طرفي النزاع على الطرف الآخر في تلك الحالات ؛ لأن ذلك سوف يخل بالتوازن بين قوى الأمة .

5 -كفالة حق المسلم في اختياراته الفقهية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت