فهرس الكتاب

الصفحة 1514 من 1664

وبعدها، إما أن يحكم ببراءته من الكفر لتخلف شرط من شروط التكفير أو قيام مانع من موانعه في حقه، وإما أن يحكم بردته إن تحققت الشروط وانتفت الموانع، فتطلب منه التوبة، وهي النوع الثاني والأخير من الاستتابة، الذي يكون قبل إقامة حد الردة عليه.

ولذلك فلا يحل التعجل في أخذ مثيلات هذه العبارة وإطلاقها أو إعمال بعض توابعها في الناس دون النظر في مقصود أهل العلم فيها… ويجب التنبه إلى أن المقدور عليه من الناس ليس كالممتنع في هذا..

فالمقدور عليه: لا يمتنع عن النزول على حكم الله وشرائعه، ولا يمتنع عن سلطان المسلمين، ولا يمتنع بسلطان الكفار وشوكتهم ودولتهم وقوانينهم.

أما الممتنع: فهو الذي يمتنع إما بدار الكفر، فيلتحق بها فيمتنع بشوكة أهلها الحربيين أو بدولتهم وسلطانهم وقانونهم بحيث يأبى النزول على أحكام المسلمين ولا يتمكن المسلمون من إقامة حكم الله عليه، أو يمتنع بطائفة وشوكة بين المسلمين تمنعه من المسلمين وحكمهم.

فمثل هذا حكمه حكم أهل الحرب يباح قتله وقتاله وأخذ ماله لمن قدر عليه دون استتابة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:(العقوبات التي جاءت بها الشريعة لمن عصى الله ورسوله نوعان:

أحدهما: عقوبة المقدور عليه من الواحد والعدد…

والثاني: عقاب الطائفة الممتنعة كالتي لا يقدر عليها إلا بقتال)أهـ. مجموع الفتاوى ط دار ابن حزم (28/193) .

ويدخل في حكم الممتنعين عن قدرة المسلمين وعن شرائع الإسلام في هذا الزمان؛ الطواغيت المعطلين لأحكام الشريعة، المشرعين والمحكمين للقوانين الوضعية الكافرة، وأنصارهم وجندهم الذين يظاهرونهم على المسلمين ويظاهرون قوانينهم ويقوّون شوكتها ويحمونها ويمتنعون من النزول على أحكام الشرع ؛ فهؤلاء قد جمعوا بين نوعي الامتناع، الامتناع عن الشرائع والامتناع عن القدرة ،إذ هم من أشد المحاربين للإسلام وأهله.

وقد قال شيخ الإسلام في فتواه الشهيرة في التتار: (كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين، وإن تكلمت بالشهادتين، فإذا أقروا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلوات الخمس وجب قتالهم حتى يصلوا، وإن امتنعوا عن الزكاة وجب قتالهم حتى يؤدوا الزكاة…) إلى قوله: (وكذلك إن امتنعوا عن الحكم في الدماء والأموال والأعراض والأبضاع ونحوها بحكم الكتاب والسنة، وكذلك إن امتنعوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار إلى أن يسلموا ويؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون….

قال الله تعالى (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله…) (28/278-279) (ط دار ابن حزم) .

إلى آخر فتواه وقد بين فيها أن قتالهم ليس من جنس قتال البغاة المسلمين بل من جنس الذين قاتلهم أبو بكر الصديق من المرتدين.

وقال: (وإذا كان السلف قد سموا مانعي الزكاة مرتدين -مع كونهم يصومون ويصلون، ولم يكونوا يقاتلون جماعة المسلمين، فكيف بمن صار مع أعداء الله ورسوله قاتلًا للمسلمين؟!) (28/289) .

أما المقدور عليه، فالواجب استتابته قبل الحكم عليه بالتكفير، أي أنه يجب النظر في شروط التكفير وموانعه في حقه، هل قام مانع من تكفيره أو عدم شرط، فإن ثبت عليه التكفير لم يقتل ولم يزل ملكه عن أمواله حتى يدعى إلى التوبة والعود إلى الإسلام وهو النوع الآخر من الاستتابة (1) . ولا يزول ملكه حتى يقتل مرتدًا لاحتمال عوده إلى الإسلام (2)

ويندرج تحت حكم المقدور عليهم، المستضعفين من عوام المسلمين في هذا الزمان إذا كانوا لا يمتنعون عن الشرع بشوكة المرتدين ولا بقوانينهم المسلطة على العباد، ولا يستنصرون بهم أو يظاهرونهم على الموحدين، فكيف إذا كانوا مجتنبين للطواغيت وشركياتهم محققين لقوله تعالى (( اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) )؟؟.

فلا يحل مساواتهم والحال كذلك بالمحاربين الممتنعين من المرتدين وأنصارهم المتسلطين على أزمة الحكم في بلاد المسلمين ، فإذا صدر من بعضهم قولًا أو عملًا مكفرًا عن جهل أو خطأ أو تأويل على التفصيل الذي قدمناه لك في فصل شروط وموانع التكفير؛ لم يجز المبادرة إلى تكفيرهم قبل الاستتابة أي إقامة الحجة والنظر في الشروط والموانع وقد تقدم قول شيخ الإسلام: (وأما من لم تقم عليه الحجة، مثل أن يكون حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه فيها شرائع الإسلام ونحو ذلك، أو غلط فظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستثنون من تحريم الخمر كما غلط في ذلك الذين استتابهم عمر وأمثال ذلك فإنهم يستتابون وتقام الحجة عليهم، فإن أصروا كفروا حينئذ ولا يحكم بكفرهم قبل ذلك، كما لم يحكم الصحابة بكفر قدامة بن مظعون وأصحابه لما غلطوا فيما غلطوا فيه من التأويل) أهـ مجموع الفتاوى (7/609-610) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت