فهرس الكتاب

الصفحة 1515 من 1664

فلا يحل والحال كذلك ما يفعله كثير من الجهال المتهورين من البحث عن صيد ضعيف من عوام المظهرين للإسلام ليمتحنوه بسؤال في أي باب من الأبواب التي يكفرون بها… ولا يهمهم إن كان ذلك الباب من المحتملات، أو مما استعوصه الجهابذة في أبواب التكفير بالمآل، أو مما لا يكفر به إلا بعد إقامة الحجة، كما لا يهمهم كون ذلك الصيد من المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، أو ممن ولاءهم للدين وعاطفتهم مع أهله وربما وقعوا في بعض الأخطاء التي يعذر الجاهل فيها… فهمُّ أولئك الأغرار، تصيّد هذه الأخطاء لا علاجها، ليقفزوا مباشرة إلى التكفير فالاستحلال والتخوّض في الأموال… وأحيانًا استباحة الدماء… ولا يأبهون بشروط التكفير أو يراعونها أو ينظرون في موانعه، بل منهم من لم يسمع بشيء من ذلك قبلها… ثم ومع هذا فمنهم من يجعل هذا من الإعداد والجهاد في سبيل الله تعالى!!.

ولو كانوا أبطالًا ومجاهدين حقًا؛ لتصدوا لجهاد أعداء الله المحاربين لدين الله وشرعه، أو الممتنعين بهم وبشوكتهم وبقوانينهم الكفرية من أنصارهم وأوليائهم وأشياعهم… إذن لأغناهم الله من فضله، ولوجدوا فيما هنالك مغانم كثيرة.

وإذ لم يقدروا على هذا، فهلا اشتغلوا بدعوة أولئك المستضعفين غير الممتنعين غالبًا، وسعوا في هدايتهم، إلى أن يقويهم الله ويعينهم على جهاد الممتنعين.

فإن الله -كما قال عمر بن عبد العزيز- بعث محمدا صلى الله عليه وسلم هاديًا ولم يبعثه جابيًا.

ولقد رأيت من هؤلاء الغلاة الجهال في الباكستان من كان يسرق وينتهب أموال أيتام المسلمين وفقرائهم ومهاجريهم بل ومجاهديهم، بحجة أن الأصل في الناس الكفر لأن الدار دار كفر… أو لأنهم لم يكفروا الكفار الذين يكفرهم أولئك الأساتذة!! ثم ما فتئوا أن تجرؤوا فقتلوا بعض الموحدين الذين خالفوهم في ذلك فاستباحوا دماءهم بحجج واهية وشبه فارغة.

وقد قدمنا لك ما نقله القاضي عياض عن القابسي: (ولا تهراق الدماء إلا بالأمر الواضح…) (2/262) الشفا ، واحتياطهم هذا كان في ولاية القضاء مع التمكين والشوكة … فكيف في أحوال هؤلاء؟؟

وقد حدثني في السجن من ندم من بعض أولئك المتهورين على تهوّره؛ أنهم كانوا يستقلون سيارة الأجرة ليلًا من الطريق العام دون أن يعرفوا صاحبها، وهم يخفون أسلحتهم، ثم يمتحنون السائق بأن يطلبوا منه أن يذهب بهم إلى خمارة ليشتروا خمرًا… فإذا وافقهم، أو قال بعض عبارات يجاملهم فيها… لم ينصحوه أو يعظوه، فهم لم يسألوه لينصحوه، بل ليغنموه، ويبادروه بأسلحتهم بعد أن أمنهم، فيسلبوه كدّ نهاره على عياله… هكذا مباشرة يكتفون بهذا السؤال الاستدراجي… فيقررون ويحكمون ويخرجون من الدين ويغنمون…!!

مع أن الذي سألوه عنه، وما فعله من إيصالهم إليه ؛ معصية وتعاون على الإثم والعدوان، وما هو بمكفر يقينًا ولا احتمالًا. وحتى لو صدر منه شيئًا مكفرًا، فدون أخذ المال مراحل وعقبات، خصوصًا إن لم يكن ممتنعًا، وقد ذكر ابن المنذر الإجماع على أن المرتد لا يزول ملكه بمجرد ردته (3) ، وإنما يكون ذلك بعد قتله أو موته، ودون ذلك الاستتابة واحتمال الرجوع… وهذا فيمن بدّل دينه وانتقل إلى ملة أخرى كما هو متعارف عليه عند الفقهاء عند إطلاقهم لمصطلح الردة. فكيف بكفار التأويل ممن يلتزمون شعائر الإسلام ولم يتخلوا عنه قط ولا حاربوه أو حاربوا أهله أو ظاهروا أعداءه، وإذا ووجهوا بكفرهم أنكروا ذلك وبرؤوا منه أو ذكروا تأويلاتهم وأعذارهم، ومن يكفرهم إنما يكفرهم باجتهاد قد يصيب وقد يخطئ… أفتباح العصمة وتهراق الدماء بمثل هذا؟؟؟

وإذا كان أولئك الأغرار إنما سألوه، لينتظروا منه إنكارًا كي يتفضلوا بعد ذلك بفقههم الواسع!! فيعصموا دمه وماله… فهم قد غرّروا به من قبل حين غيّروا سمتهم وحلقوا لحاهم ولم يبقوا أثرًا من سيما أهل الدين على أنفسهم، ثم استدرجوه كي يجيبهم بما يشتهون؛ بطلبهم وبوجهتهم. وما ينتظرونه من إنكاره، قَلَّ من يفعله اليوم إلا الغرباء المستمسكون بدينهم بقوة، أما العوام الجهال الذين يمضون حياتهم بالركض خلف لقمة العيش بسبب ما ضيقه الطغاة على العباد في أرزاقهم ومعيشتهم… فتغلب عليهم المجاملات والمداهنات، بل وكثير منهم لا يبالي بكسب المال من حرام… وهذا وحده لا يكفي للتكفير، فضلًا عن إباحة الأموال والدماء.

وربما لو أنه حين ركبوا معه رأى عليهم سيما أهل الدين والصلاح ودعوه للخروج معهم كما يفعل رجال الدعوة (جماعة التبليغ) لوعدهم خيرًا أو لخرج… ولو أنهم سألوه سؤالًا دينيًا، لانطلق يجاملهم أيضًا بعاطفة دينية وحماس وكأنه شيخ الإسلام ومفتي الديار.

فما هكذا تورد الإبل وما هكذا يكون التثبت والتبين، وما هكذا يقطع بأحكام الشرع التي تستباح بها الدماء والأموال ، خصوصًا في ظل عموم الجهل وضعف العلم والعلماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت