فهرس الكتاب
ولا يبرّر أو يسوّغ مثل هذه الحماقات ؛عاطفة هؤلاء الشباب الدينية أو زعمهم أنهم يريدون بتلك الأموال الإعداد لجهاد الطواغيت، أو نحوها من الدعاوى صادقة كانت أم كاذبة. فالله طيب لا يقبل إلا طيبًا.. والوسيلة لابد أن تكون مشروعة ونظيفة ومطهرة كالغاية عند المسلمين.
ثم اعتقل هؤلاء بعد ذلك في قضايا سلب وسرقة عديدة وقد أظهروا تديّنهم، وأطلقوا لحاهم فكانوا أحدوثة عند أعداء الله استغلوها لتشويه الدين وأهله، والطعن في الجهاد عبر صحافتهم الخبيثة ولقد رأيتهم قد زجوا في مهاجع اللصوص، والعساكر يهزؤون بهم ويستخفون، ويشككون بتدينهم، بل ويعظونهم في قضاياهم التي ارتكبوها.
وما من أعجب الأشياء علج ... ... يعرفني الحلال من الحرام
ثم رأيت بعضهم بعد مدة وقد انتكس أو كاد … يضرب أخماسًا بأسداس… ويطلق عبارات فيها تسخط واعتراض على أقدار الله، لاستطوال السجن واستبطاء الفرج.
فنسأل الله تعالى العفو والعافية والهداية لشباب المسلمين.
* فائدة: ومما يصلح إلحاقه بهذا الموضع والتنبيه عليه؛ التفريق بين الردة المجردة التي يستتاب صاحبها، وبين الردة المغلظة التي لا استتابة فيها:
وذلك أن الردة كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول ص (366) فصاعدًا؛ (على قسمين: ردة مجردة، وردّة مُغلّظة شرع القتل على خصوصها، وكل منهما قد قام الدليل على وجوب قتل صاحبها. والأدلة الدالة على سقوط القتل بالتوبة لا تعم القسمين، بل إنما تدل على القسم الأول ؛ كما يظهر ذلك لمن تأمل الأدلة على قبول توبة المرتد، فيبقى القسم الثاني، وقد قام الدليل على وجوب قتل صاحبه، ولم يأت نص ولا إجماع لسقوط القتل عنه، والقياس متعذر مع وجود الفرق الجلي فانقطع الإلحاق. والذي يحقق هذه الطريقة أنه لم يأت في كتاب ولا سنة ولا إجماع أن كل من ارتد بأي قول أو أي فعل كان فإنه يسقط عنه القتل ذا تاب بعد القدرة عليه، بل الكتاب والسنة والإجماع قد فرّق بين أنواع المرتدين كما سنذكره، وإنما بعض الناس يجعل برأيه الردة جنسا واحدًا على تباين أنواعه، ويقيس بعضها على بعض، فإذا لم يكن معه عموم نطقي يعم أنواع المرتد لم يبق إلا القياس، وهو فاسد إذا فارق الفرع الأصل بوصفٍ له تأثير في الحكم، وقد دلّ على تأثيره نصُّ الشارع وتنبيهه، والمناسبة المشتملة على المصلحة المعتبرة.
وتقرير هذا من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن دلائل قبول توبة المرتد مثل قوله تعالى: (( كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم ) )إلى قوله: (( إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ) )، وقوله تعالى: (( من كفر بالله من بعد إيمانه ) )ونحوها، ليس فيها إلا توبة من كفر بعد الإيمان فقط، دون من انضم إلى كفره مزيد أذى وإضرار، وكذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما تضمنت قبول توبة من جرّد الردة فقط. وكذلك سنة الخلفاء الراشدين إنما تضمنت قبول توبة من جرّد الردة وحارب بعد ارتداده كمحاربة الكافر الأصلي على كفره ، فمن زعم أن في الأصول ما يعم توبة كل مرتد سواء جرد الردة أو غلظها بأي شيء كان فقد أخطأ، وحينئذ فقد قامت الأدلة على وجوب قتل الساب، وأنه مرتد، ولم تدل الأصول على أن مثله يسقط عنه القتل فيجب قتله بالدليل السالم عن المعارض (4) .
الثاني: أن الله سبحانه قال: (( كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم، وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات، والله لا يهدي القوم الظالمين، أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون، إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم ، إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرًا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون ) ).
فأخبر سبحانه أن من ازداد كفرًا بعد إيمانه لن تقبل توبته، وفرق بين الكفر المزيد كفرًا، والكفر المجرد في قبول التوبة من الثاني دون الأول، فمن زعم أن كل كفر بعد الإيمان تقبل منه التوبة فقد خالف نص القرآن.
وهذه الآية إن كان قيل فيها إن ازدياد الكفر المقام عليه إلى حين الموت، وإن التوبة المنفية هي توبته عند الغرغرة أو يوم القيامة، فالآية أعم من ذلك (5) .