فهرس الكتاب
ذكرت في الحلقة الماضية المسائلَ الفقهية المندرجة تحت القسم الذي وُكِل تنفيذُه إلى أولي الأمر من الأمراء والحكام العلماء أو العلماء إن خلا الزمان عن حاكم مسلم ( الفراغ السياسي ) ، وتم الحديث عن النوع الأول منه ، وعن النوع الثاني والضرب الأول منه ، ثم عن بعض صوره وكان آخرها الصورة التي: تتغير فيها الحال التي قُيِّد الحكم بها . وأن منها: الإذن بقتال الكفَّار في العهد المدني ، دون العهد المكي على اختلاف أحواله ، وهكذا الأحكام التي جاء تشريعها على مراحل اقتضاها اختلافُ الأحوال ، لا وجودُ ناسخ ومنسوخ بينها ، فهي من هذا القبيل .
وقد وعدت في الحلقة الماضية بإيراد تطبيق تقعيدي وصفي ، يمكن تنزيله على كثير من قضايا الواقع التي تندرج تحته في كل بلد من البلاد الإسلامية وغيرها ، وذلك في قضية يعد الخطأ في فهمها من أخطر قضايا العصر على أهل الإسلام ، وعرض ذلك بلغة عصرية تُقرٍِّب المراد ، ولا سيما أنّ بعض مسائل هذا الضرب صارت محل غواية وفتنة بين فئات من المسلمين مع ما شغّب بسوء فهمه منها أعداء الدين .
بيان فقه السياسة الشرعية المنبثق من أصل علاقة الدولة الإسلامية بغير المسلمين
تقوم حقيقة العلاقة بين الدولة الإسلامية بغير المسلمين على أساس مقصدي ، هو تبليغهم رسالة الإسلام ( الدعوة ) ، والتعامل معهم وفق ما تمليه الأحكام الإسلامية ، التي تراعي بخاصيتها ظروف متغيرات الزمان والمكان والحال ، وفق قواعد تفسيرية غاية في الدقة ، سبق المرور على أصولها في بيان أسس السياسة الشرعية ؛ ولعلَّ فهم هذه الحقيقة يفسِّر بعض مظاهر الشذوذ الفكري في تصرفات بعض المسلمين ، ولا سيما ممن ليس لديهم فهم كاف لذلك ، سواء من ناحية التنظير أو التطبيق .
وتعامل الدولة الإسلامية مع غيرها - من الدول والكيانات - وفق ما تمليه الأحكام الإسلامية ؛ يختلف باختلاف موقفها من الدعوة الإسلامية ؛ فهو لا يخلو من أحوال يمكن إجمال القول فيها فيما يلي:
الحال الأولى: أن تقتنع تلك الدول والكيانات بالدعوة الإسلامية ، وتتحول إلى الإسلام ؛ وحينئذ فتعامل معاملة بقية المسلمين تمامًا ؛ دون أي اعتبار للعرق أو اللون أو حتى المواقف السابقة من الدعوة الإسلامية . وهذا ما يحصل في زمن الفتوحات كما جرى في العهد النبوي وعهد الخلافة الراشدة وما تلاها في عدد من الأقطار كفتوحات الدولة الإسلامية في الأندلس ثم ما جرى بعد ذلك من فتوحات الدولة الإسلامية العثمانية .
الحال الثانية: أن تبقى تلك الدول والكيانات على ما كانت عليه ؛ و تقبل العيش في ظل الحكم الإسلامي ، والانضمام إلى الدولة الإسلامية ؛ وهنا تتمتع رعاياها بحقوق رعايا الدولة الإسلامية من غير المسلمين ؛ من الحماية الإسلامية والحرية الدينية الأصلية ، مقابل دفع الجزية ، ممن يلزمه دفعها وهو القادر على العمل والكسب من الذكور (25) .
أمَّا غير البالغين ، والنساء ، وكذا غير القادرين على العمل والكسب ؛ كالعجزة والمقعدين ، أو غير المتفرغين لذلك لانقطاعهم في الكنائس و المعابد ، كالرهبان ؛ فهؤلاء يتمتعون بالعيش في ظل الحكم الإسلامي دون أي مقابل ، كما يُفيدون وينتفعون من المرافق والمصالح العامة في الدولة ؛ بل إذا احتاج أحد من هؤلاء للمعونة وجب على الدولة الإسلامية تقديم المعونة له ؛ حتى الذي كان يدفع الضرائب إذا عجز عن دفعها لعجزه عن العمل ، تتوقف الدولة الإسلامية عن مطالبته بالضريبة .
الحال الثالثة: أن تبقى تلك الدول والكيانات على ما كانت عليه ؛ ولا تقبل العيش في ظل الحكم الإسلامي ، وهي على أضرب:
الضرب الأول: أن تكون تلك الدولة أو ذلك الكيان قويًا ؛ فهذا لا يُعطى حكمًا تطبيقيًا واحدًا ؛ وإنَّما يختلف التعامل معه باختلاف ظروف الزمان والمكان والحال ؛ وحينئذ فهو على أقسام:
القسم الأول: الدول والكيانات التي يكون بينها وبين الدولة الإسلامية معاهدات ؛ فهذه يجب التعامل معها وفق ما تم الاتفاق عليه في بنود تلك المعاهدات ؛ والوفاء بذلك وفاء تامًا ، فإنَّ من يخل به - من فرد أو دولة - متوعدٌ في الإسلام ، بالإثم الأخروي والعقوبة الشديدة .
وحينئذٍ ، يجب على المسلمين دولًا ومنظمات وأفرادًا الاستمرارُ في أداء رسالة الدولة الإسلامية في الدعوة ، بسلوك الطرق السلمية الممكنة ، للدعوة إلى الله في تلك الدول والكيانات ؛ وسلوك جميع السبل السلمية التي تسلكها الدولة الإسلامية في تقوية إيمان المسلمين في الداخل والخارج ، وإقناع غير المسلمين من رعاياها بالإسلام ؛ والإفادة من جميع القوانين المعمول بها في تلك الدولة أو الكيان المعاهَد في ذلك ، ودعم الجمعيات والمنظمات والأحزاب التي تقدم خدمات للجالياتِ الإسلامية ، وتتعاطف مع قضايا المسلمين . ولا يجوز سلوك طرق حربية عسكرية في ذلك .
وهذا ينطبق على كثير من الدول المعاصرة التي بينها وبين أهل الإسلام معاهدات ، وخاصة تلك الدول التي تجد الجاليةُ الإسلامية فيها قدرًا من الحريَّة التي تُمكِّنها من التزام دينها والدعوة إليه تحت سقف مقبول من الحرية في ذلك (27) .