فهرس الكتاب
وقد استأذنت بعض مشايخي في هذا الفن في تنفيذ هذا المقترح ( وضع مقالات تعريفية بالسياسة الشرعية ونشرها تباعًا _إن شاء الله تعالى_ فوجدت تأكيدًا على أهمية الفكرة ، و ترحيبًا بتنفيذها ، مما شجّعني وجرّأني على عدم التَّأخر فيه .
ومن هنا رأيت أن أبدأ هذه المقالات مستعينا بالله تعالى ، وأن يكون الحديث في ذلك - إن شاء الله تعالى - على نحو موجزٍ ، يفيد طالب العلم المتطلِّع نحو أُفق علميٍّ عمليٍّ وسطيّ المنهج ، يستنهضُ الهمّة ، ويدفع نحو مواصلة المهمَّة ، يستنير بالدليل ، ويدع شاذّ الأقاويل ، ويقوي الإيمان بالحقائق ، ولا ينسى تهذيب الرَّوح بالرقائق ، يستعين بالله ، ويقصد رضاه ..
وإنِّي لأرجو أن لا يدّخر مُطّلعٌ على هذه المقالات ، يجد فيها ما يستوجب تصحيحًا أو ملاحظة أو نصحًا - جهدًا في إيصال ذلك إليَّ ، عبر موقع المسلم ضمن نافذة التعليقات على هذه المقالات ، أو بواسطة البريد الرقمي الخاص ، أو غيره من وسائل الاتصال ، وليحتسب في ذلك أجر النصح و التصحيح إن وجد ما يتطلبه .
ولمَّا كان كتاب الله _تعالى_ أصل علوم الدين وعماد علوم الشريعة الأول ، فلنبدأ الأضواء بآية من آياته ، نستلهم منها إرشادًا إلى الاهتمام بهذا العلم والعناية به .. قال الله _تعالى_ لنبيه محمد _صلى الله عليه وآله وسلم_:"قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" (يوسف108) .. ومن يتأمَّل هذه الآية يجدها قد شملت - فيما شملت - جوانب السياسة الإسلامية التي تندرج في أصل العلائق الإسلامية - التي مدارها على الدعوة بشمولها ، قولًا وعملًا - في كلمة ( بصيرة ) !
فالسياسة الشرعية جزء من البصيرة التي نجدها حيَّة في سنّة النبي _صلى الله عليه وسلم_ وسيرته المباركة في الدّعوة وتصرفاته في الولاية بجميع مجالاتها الرئيسة ..
فما هي السياسة الشرعية ، وكيف كانت جزءًا من البصيرة النبوية ، التي يسير عليها أتباعه النبي _صلى الله عليه وآله وسلم_ ؟
هذا ما سيكون جوابه في المقالات التالية _إن شاء الله تعالى_ .
أولًا: مدلول السياسة الشرعية
مدخل: قبل بضع سنوات .. في يوم عرفة وعلى أرض عرفات ، سألني أحد الإخوة الأمريكيين ممن دخلوا في الإسلام ، ولم يكن من قبل من المسلمين قائلًا: سمعت عن السياسة الشرعية ! فهل في الإسلام سياسة ؟
قلت له: أنت مسلم حاج ، فلا ينبغي أن يخفى عليك أنَّ الإسلام عقيدة وشريعة ، أي: عقيدة وقانون ! أليس هذا هو واقع الإسلام كما عرفته ؟!
ثم أخذت أكشف شبهته بأمثلة يعلمها ، لكنه لا يدرك انتماءها العلمي لمفردات هذا الفن ، كما ذكرت له عددًا من مؤلفات بعض أعلام أمتنا القدماء - منذ القرن الأول الهجري - في السياسة الشرعية .
أولًا: المعنى اللغوي للسياسة:
تستعمل السياسة في اللغة بمعنى: الفساد ، أو الجبلة ، أو التدبير .
والسياسة بمعنى: التدبير ؛ هي الاستعمال المقصود هنا .
ومن شواهده قول النبي_صلى الله عليه وسلم_: (( كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء ، كلّما هلك نبيّ ، خَلَفَه نبيّ ، وإنَّه لا نبيَّ بعدي ) )رواه البخاري ح (3455) ، ومسلم ح (1842) ، قال النووي أي:"يتولون أمورهم كما تفعل الأمراء والولاة بالرعية".
وقول عمر بن الخطاب_رضي الله عنه_: ( قد علمت ورب الكعبة متى تهلك العرب ؟ إذا ساس أمرهم مَنْ لم يصحب الرسول ، ولم يعالج أمر الجاهلية ) رواه ابن سعد في: الطبقات ، ورجاله ثقات .
ومنه قول عمرو بن العاص يصف معاوية - رضي الله عنهما -: ( إني وجدته … الحسن السياسة الحسن التدبير ) ذكره الطبري في تاريخه .
وقول هند الصغرى بنت النعمان بن المنذر المعروفة بحُرَقة:
فبينا نسوس الناس والأمر أمْرُنَا إذا نحن فيهم سوقة نتنصف
والعرب تقول: سُوِّس فلان أمْر بني فلان ، أي: كلِّف سياستهم ، وملك أمرهم .
ومن هنا يتبين أنَّه لا عبرة بما قيل من أنها كلمة غير عربية الأصل (خلاصة هذا القول: أنَّ كلمة( سياسة ) معرب ( سه يسا ) ، فـ ( سه ) بالفارسية تعني: ثلاثة و ( يسا ) بالمغولية تعني: التراتيب ، فكأنه قال: التراتيب الثلاثة ) ؛ ولهذا وصف شهاب الدِّين الخفاجي (975-1069) - القول بأنَّها مُعَرَّبة بقوله:"وهذا غلط فاحش ؛ فإنَّها لفظة عربيَّة مُتَصَرِّفة … وعليه جميع أهل اللغة".
والحديث في المعنى اللغوي لكلمة ( السياسة ) لا يخلو من فوائد وطرائف ولطائف ؛ لكنني حاولت الاكتفاء بما يكفي في بيان المراد .. وربما أضفت ما قد يُحتاج إليه منها عند وجود مناسبة له _إن شاء الله تعالى_ .
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي للسياسة الشرعية: