فهرس الكتاب
ثم قال:(باب ما جاء في الرخصة فيه في الفتنة أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ أنبأ أبو الفضل بن إبراهيم ثنا أحمد بن سلمة ثنا قتيبة بن سعيد الثقفي وداد بن مخراق الفاريابي قالا ثنا إسماعيل عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع ، أنه دخل على الحجاج فقال يا بن الأكوع ، ارتددت على عقبيك ، تعربت بعد الهجرة ، قال: لا ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لي في البدو أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح عن قتيبة بن سعيد وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو الحسين محمد بن يعقوب أنبأ أبو العباس محمد بن إسحاق ثنا قتيبة بن سعيد ثنا حاتم عن يزيد بن أبي عبيد قال ثم لما قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه خرج سلمة إلى الربذة وتزوج هناك امرأة وولد له أولاد فلم يزل هناك حتى قبل أن يموت فنزل يعني المدينة رواه البخاري عن قتيبة .
ولقد جمع الطحاوي رحمه الله في مشكل الآثار بين أحاديث النهي وأحاديث الرخصة بقوله بعد ذكره لحديث سلمة?وفيه { أن سلمة بن الأكوع قدم المدينة فلقيه بريدة بن حصيب فقال ارتددت عن هجرتك يا سلمة فقال: معاذ الله إني في إذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ابدوا يا أسلم انتسموا الرياح واسكنوا الشعاب فقالوا إنا نخاف أن يضرنا ذلك في هجرتنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتم مهاجرون حيث كنتم } قال الطحاوي: فقال قائل ففيما رويت خروج أسلم من الإقامة بدار الهجرة إلى الدار الأعرابية وهذا خلاف ما رويته مما يوجبه ما رويته في الباب الذي قبل هذا الباب . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أن الذي رويناه في الباب الذي قبل هذا الباب من لعنِ رسول الله صلى الله عليه وسلم المرتد أعرابيا بعد هجرته هو عندنا - والله أعلم - على المرتد كذلك ارتدادا يخرج به من الهجرة التي توجب عليه الطاعة إلى الأعرابية التي لا طاعة معها , وأسلم لم يكونوا كذلك بل كانوا على خلافه مما قد بينه عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روته عنه عائشة رضي الله عنها إلى أن قال: وكان في ذلك ما قد دل أن التبدي المذموم هو التبدي الذي لا يجيب أهله إذا دعوا فأما التبدي الذي هو بخلاف ذلك فهو كالمقام بالحضرة وقد ذكر الله عز وجل الأعراب في كتابه في موضع فذمهم وأخبر أنهم أشد كفرا ونفاقا وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله وذكرهم في موضع آخر من كتابه فوصفهم بالإيمان فقال { وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } . فكان الأعراب المذمومون فيما تلونا هم الذين يغيبون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يعلموا أحكام الله عز وجل الذي ينزلها عليه ولا فرائضه التي يجريها على لسانه وكان من هو خلافهم منهم ما ذكرهم عز وجل به من الأمور التي حمدهم عليها وأثنى عليهم بها , فكان الأسلميون رضوان الله عليهم ممن دخلوا في ذلك فكانوا كمن لا يفارقه والله نسأله التوفيق .
لذا كان الخلاف في مسألة: جواز إقامة أكثر من ثلاثة أيام للمهاجرين في مكة بعد إنقضاء النسك وذلك في حق المهاجر الذي جاء للمدينة ، وهاجر إليها نصرة لدين الله حيث جاء في حديث البخاري ومسلم عن العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( للمهاجر إقامة ثلاث ، بعد الصدر من مكة ) كأنه يقول لا يزيد عليها .
إذًا: لا يجوزله الرجوع إلى وطنه ، وهذا قبل الفتح فلما فتحفت مكة وصارت دار إسلام اختلف الحكم على رأي بعض أهل العلم . ومن أراد المزيد في ذلك فليرجع إلى صحيح البخاري وشرحه لابن حجر ( مناقب الأنصار ) باب إقامة المهاجر بمكة بعد انقضاء نسكه ، وكذا صحيح مسلم شرح النووي باب جواز الإقامة بمكة للمهاجر
ويقول ابن حزم في ذلك ما نصه: احتج لمالك , والشافعي ومقلدوهما بالخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق العلاء بن الحضرمي أنه عليه السلام قال { يمكث المهاجر بعد انقضاء نسكه ثلاثا } . قالوا: فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم للمهاجرين الإقامة بمكة التي كانت أوطانهم فأخرجوا عنها في الله تعالى حتى يلقوا ربهم عز وجل غرباء عن أوطانهم لوجهه عز وجل , ثم أباح لهم المقام بها ثلاثا بعد تمام النسك . أ.هـ
يتضح لنا بعد ذلك خطورة الهوة التي قد يقع فيها من هاجر من دار الكفر أو الحرب ثم رجع إليها بدون عذر شرعي وهي على ماهي عليه من الكفر أو الحرب .
سابعًا: من لوازم عدم الهجرة غالبًا ، مشاهدت المنكرات ، ومداهنة أرباب المعاصي والسيئات ، وموادتهم ، وانشراح الصدر لهم ، فإن الشر يتداعى ، ويجر بعضه بعضًا ، فلا يرضون عمن هو بين أظهرهم بدون هذه الأمور ، ولا بد من رضاهم والمبادرة في هواهم إلى غير ذلك مما ذكره العلامة عبدالرحمن بن حسن