فهرس الكتاب
ومنها: عندما يستجير المشرك بالمسلمين .. ويطلب منهم الجوار ليسمع
كلام الله ونحو ذلك .. ففي مثل هذه الحالة يحسن أن يُستجار ويوصل بالقدر الذي يحقق الغرض من إجارته، كما قال تعالى:? وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ ?التوبة:6.
ومنها: إذا قُدر للمسلم أن يُجاور كافرًا أو مشركًا .. فحينئذٍ ينبغي عليه أن يُحسن التعامل مع جاره، ويصله بالمعروف؛ لأن للجار حقًا وإن كان كافرًًا، كما في الحديث عن عبد الله بن عمرو: أنه ذبح شاةً، فقال: أهديتم لجاري اليهودي؟ فإني سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول:"ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورِّثُه" [ صحيح] . أي حتى ظننت أنه سيجعله من الورثة الذين يستحقون أن يرثوا الميت!
ومنها: إن كان الكافر من المؤلفة قلوبهم .. وظهرت عليه القرائن الدالة على ميوله ورغبته في الإسلام .. فيستحسن حينئذٍ وصله والإحسان إليه .. تثبيتًا له على الحق، كما قال تعالى:? إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ?التوبة:60.
فكان ممن نفلهم النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه لأبغض الخلق إلي، فمازال يُعطيني حتى إنه لأحب الخلق إلي !!
فقوله"لأبغض الخلق إلي"يعني أنه كان كافرًا .. ومع ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يصله بالعطاء؛ لما رأى في العطاء تأليفًا لقلبه على الإيمان، ودواء لقلبه من أمراضه وآفاته ..!
ومنها: الخلطة التي لا بد منها للداعية إلى الله تعالى .. فيأتي نواديهم ومجالسهم ليدعوهم إلى الإسلام، ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر .. ويصبر على أذاهم في سبيل الله .. فمثل هذا لا حرج فيه إن شاء الله، بل هو من أحسن الأعمال التي يُتقرب بها إلى الله تعالى، كما قال تعالى:? وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ?فصلت:33. …
لكن يُشترط على من يتصدى لهذه المهمة العظيمة شروط، أهمها:
1-أن يكون عالمًا بما سيأمرهم به وينهاهم عنه .. إذ جاهل الشيء كفاقده لا يمكن أن يُعطيه!
ومن العلم أن لا ينكر المنكر بما هو أنكر منه .. وأن لا يزيل الفتنة بفتنة أعظم منها!
2-أن لا يطيل المكث في مجالسهم أكثر مما تقتضيه ضرورة تبليغ الدعوة .. وقيام الحجة عليهم.
3-أن ينكر المنكر إذا رآه؛ حتى لا يُفسر سكوته على أنه إقرار لمنكرهم وباطلهم.
4-إن عجز عن إنكار المنكر أو أنكر عليهم منكرهم فلم ينتهوا .. تعين عليه القيام من مجلسهم ومفارقتهم؛ حتى لا يُحمل عليه قوله تعالى:? إنكم إذًا مثلهم ?.
بهذه الشروط نجيز للداعية بأن يقتحم مجالس القوم .. وإلا، فلا!
ومنها: أن يُقابل جميل أو معروف الكافر بمعروف آخر مشروع .. فمثل هذا الوصل والإحسان لا حرج فيه إن شاء الله.
فقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لو كان المطعم بن عدي حيًا ثم كلمني في هؤلاء النتن ـ يعني أسرى بدر ـ لأطلقتهم له". وذلك أن مطعمًا
كان قد أجار النبي صلى الله عليه وسلم لأيامٍ في مكة أيام الشدة .. فلم ينسها النبي صلى الله عليه وسلم له، وأراد أن يكافئه بصنيع جميل آخر؛ وهو أن يُطلق له أسرى بدر الذين يزداد تعدادهم عن السبعين رجل .. لكن مُطعمًا قد مات على الشرك قبل ذلك!
وكان ابن عباس يقول: لو قال لي فرعون:بارك الله فيك، قلت: وفيك، وفرعون قد مات!! [ ] . وهذا كله من قبيل مقابلة الحسنة بالحسنة .. ورد المعروف بمعروف آخر، والله تعالى أعلم.
خلاصة القول: أن هذا النوع من الوصل والإحسان ـ وفق الحالات المبينة أعلاه ـ هو وصل مشروع لا حرج فيه إن شاء الله .. لا ينبغي أن نترفع عنه أو نزهد به وبفضله، وآثاره الحسنة .. ونحن في غمرات الحماسة والعمل من أجل استئناف حياة إسلامية راشدة .. كما لا ينبغي أن يُفسر على أنه مناقض لعقيدة الولاء والبراء التي جاء بها الإسلام .. وللأصل العام الذي ينص على مبدأ الاعتزال والمفاصلة كما هو مبين في مطلع هذه المسألة!
ثانيًا: سلاطين الجور والفجور:
وهؤلاء وإن كان ظلمهم لا يرقى بهم إلى درجة الكفر والخروج من الإسلام، إلا أن السنة قد مضت فيهم أن يُهجروا، ويُهجر العمل عندهم .. تبكيتًا لهم، وحتى لا يتقووا بالصالحين على ظلمهم، وباطلهم، ومنكرهم!
فقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ليأتينَّ عليكم أمراء يقربون شرار الناس، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فمن أدرك ذلك منهم فلا يكوننَّ عريفًا ولا شرطيًا، ولا جابيًا ولا خازنًا" [ أخرجه ابن حبان، السلسلة الصحيحة: 457.] .