فهرس الكتاب
وقال تعالى:? { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا } ?النساء:140.
وقال تعالى عن نبيه إبراهيم عليه السلام:? { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا } ?مريم:48.
فاعتزال المجرمين ومجالسهم من ملة إبراهيم التي لا يرغب عنها إلا من سفه نفسه، كما قال تعالى:? { وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ } ?البقرة:130.
وقال تعالى:? فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا ?مريم:49. فمن بركات اعتزاله للظالمين وما يَعبدون من دون الله أن وهبه الله تعالى إسحاق ويعقوب .. جزاء اعتزاله لهم!
قلت: ولا أرى للعقيم دواء كاعتزاله للمجرمين الظالمين وما يعبدون من دون الله تعالى .. ابتغاء مرضاة الله!
وقال تعالى عن أصحاب الكهف:? وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا ?الكهف:16. فلما اعتزلوا قومهم وما يعبدون من دون الله وآووا إلى الكهف .. نشر ربهم عليهم من رحمته ورضوانه.
فأصل العلاقة بين المؤمنين والكافرين المجرمين قائمة على العداوة والبغضاء حتى يؤمنوا بالله تعالى وحده، كما قال تعالى:? قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ?الممتحنة:4.
ولما سأل نوح عليه السلام ربَّه أن ينجي ولدَه من الغرق .. بعد أن أبى ولده إلا الإعراض، والكبر، والعناد للحق .. فظن أن الجبل عاصمه من الغرق .. جاءه العتاب الرباني:? قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ?هود:46. لأن الجاهلين هم الذين يقدمون رابطة الدم والنسب على رابطة العقيدة والتوحيد.
فإن قيل: هل جميع الكفار يستوون في الهجر والاعتزال ..؟
أقول: وإن كان الأصل في التعامل مع الذين كفروا الهجر والاعتزال .. إلا أن ذلك يتفاوت بحسب درجة عناد وعداوة كل كافر أو طائفة من طوائف الكفر .. فلا ينبغي أن يُعامل الكافر المستجير ـ من حيث الهجر والاعتزال ـ الذي يريد أن يسمع كلام الله تعالى كالكافر المعاند المعرض، المحارب .. ولا المؤلفة قلوبهم، كالمحاربين المعاندين!
وعليه فإننا نستطيع أن نقول: كلما تغلظ كفر الكافر .. واشتد عناده، وإعراضه عن الحق، كلما تعين الهجر والاعتزال بحقه .. وكلما ظهر للكافر ميله إلى الحق، وظهرت رغبته فيه .. كلما خفت حدة الهجر والاعتزال بحقه، وكان للوصل مبرراته، ومسوغاته الشرعية، والله تعالى أعلم.
ـ استدراك وتنبيه:
الأصل ـ كما تقدم ـ في التعامل مع الكافرين المعرضين الهجر والاعتزال .. وهذا الأصل هو حكم عام توجد له حالات خاصة مستثناة يشرع فيها الوصل بقدْر، يحسن ـ تتمة للفائدة ـ بيانها:
منها: إحسان الولد المسلم لأبويه الكافرين، ووصلهما بالمعروف .. على أن لا يُطيعهما في الشرك، أو في شيء فيه معصية الله، كما قال تعالى:? وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ? لقمان:15.
وقال تعالى:? وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ? العنكبوت:8.
قلت: ومن وصلِهما وبرهما، والإحسان إليهما المواظبة على نصحهما ـ بالتي هي أحسن ـ .. عسى الله تعالى أن يشرح صدرهما للإسلام .. وينقذهما من النار على يديه.
وفي الحديث، عن أسماء بنت أبي بكرٍ الصديق، قالت: قدِمت عليَّ أمي وهي مشركةٌ في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستفتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، قلت: قدمت عليَّ أمي وهي راغبةٌ، أفأصل أمي ؟ قال صلى الله عليه وسلم:"نعم صِلي أمَّكِ"متفق عليه. وقولها"وهي راغبة"أي وهي طامعة بما عندي من مال، تريد شيئًا منه .. فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بأن تصلها وتعطيها.