فهرس الكتاب
و الباب مفتوح لإقامة مثل هذه المدارس، وقد حاول بعض المسلمين إنشاء مدارس من هذا النوع لأبنائهم، ولكنهم قد يفشلون، إن لم يكونوا فعلا قد فشلوا، لأن الدول الأوربية تشترط في إنشاء مثل هذه المدارس شروطا معينة في قوة المباني وفي سعة فصولها وفي مستوى تأثيثها، وفي مرافقها، وتمنح أهلها فرصة لمدة معينة تكون نفقات المدرسة على حساب منشئيها، فإذا مضت المدة وهي مستكملة الشروط منحتها الترخيص والاستمرار، وقد تساعد الدولة الأوربية بثمانين في المائة من نفقاتها، وقد تساعد بنفقاتها كلها بحسب النظام المتبع في كل دولة.
سادسا: إنشاء دار للترجمة يختار لها العلماء الأكفاء الذين عندهم فقه في الدين وإجادة كاملة للغات الأوربية المختلفة، وتختار الكتب المفيدة للتعريف بالإسلام في كل الموضوعات: الإيمانية والعبادية والسلوكية والمعاملات... لتترجم وتطبع وتنشر بين المسلمين وغيرهم، في البلدان الأوربية، وكذلك تؤلف بعض الكتب ابتداء ممن عنده مقدرة على ذلك.
وأهم ما تجب العناية به في هذا الباب ترجمة معاني القرآن الكريم إلى لغات العالم المختلفة، فقد قام بعض المستشرقين من اليهود والنصارى وبعض الفرق الكافرة أو المنحرفة من المنتسبين إلى الإسلام، بترجمة معاني القرآن الكريم إلى بعض اللغات ترجمات محرفة، دسوا فيها ما يريدون من عقائدهم ومبادئهم ليضلوا المسلمين الجهال وغيرهم، وقد لا يوجد غير ترجماتهم في بعض البلدان، وذلك يلجئ المسلمين ومن يريد التعرف على الإسلام من غيرهم إلجاء، إلى قراءتها مع ما فيها من تحريف وضلال.
ولا شك أنه يجب على المسلمين القادرين القيام بهذا المشروع، سواء بالترجمة ابتداء، أو الحصول على ترجمات قريبة من السلامة وتصحيحها ونشرها، وإذا لم يفعلوا فهم آثمون، لأن ذلك من فروض الكفاية التي لا تسقط عن كل قادر عليها إلا إذا قام بها من تحصل به الكفاية.
هذا، ويجب أن تكون الترجمة تفسيرا لمعاني القرآن الكريم، بحيث يفهم منها القارئ مراد الله منه، وليست ترجمة حرفية تختلط فيه المصطلحات القرآنية بالمصطلحات المضادة لها، أو المخالفة لمعانيها...
سابعا: إعانة المراكز الإسلامية بنشر الإسلام، عن طريق وسائل الإعلام كإنشاء إذاعات محلية، أو استئجار أوقات معينة من إذاعات قطرية أو إقليمية، أو ساعات معينة لبث مواد تلفزيونية، أو إيجاد جرائد ومجلات خاصة، أو نشر مقالات إسلامية في بعض الجرائد الأوربية القوية الانتشار التي قد تتعاون مع المسلمين من أجل الكسب المادي، وهذا يحتاج إلى إعداد رجال إعلام مسلمين مثقفين ثقافة إسلامية، ليبلغوا الناس دعوة الإسلام، كما يحتاج إلى المال الذي يمكن المسلمين من ذلك.
تقديم الأولويات على ما عداها.
هذا وليعلم أن المصلحة تقتضي تقديم الأولويات، بحيث يبدأ بالأهم فالمهم، فإذا كنا في حاجة-مثلا-إلى بناء مسجد يتسع لعدد معين من المصلين، وفي ذات الوقت نحتاج إلى وسيلة من الوسائل لتعليم المسلمين، كمدرسة، أو لتبليغهم وتبليغ غيرهم دعوة الله وعندنا من المال ما يكفي لإقامة مسجد غير مزخرف، وإيجاد الوسيلة الأخر معه، فلا يجوز أن نؤخر تلك الوسيلة من أجل بناء مسجد مزخرف ننفق فيه كل الأموال للتباهي به، وأبناء المسلمين في حاجة إلى التعليم والمسلمون وغيرهم في حاجة إلى أن يبلغوا دين الله.
أما أن تبني مساجد كبيرة مزخرفة خالية من لأئمة والمدرسين الأكفاء، من ذوي العلم والقدوة الحسنة والقدرة على تبليغ الناس دين الإسلام بلغاتهم وتعليم أبناء المسلمين دينهم، فإن تلك المساجد المشيدة لا تفيد المسلمين ولا غيرهم الفائدة المطلوبة، وتكون غاية وجودها أن تدرجها الدول الأوربية في أدلة الآثار والمتاحف، ليزورها السائحون ويقال لهم: هذا أنموذج لمساجد المسلمين، وتنال تلك الدول مكاسب سياحية من تلك المساجد كما تنال ذلك من المتاحف ونحوها.
فالمقصود من المسجد هو عمارته بعبادة الله وأداء رسالة التعليم والدعوة فيه، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمر ببناء مسجد في المدينة إلا بعد أن دخل الإسلام كل بيت فيها تقريبا، بعث مصعبا رضي الله عنه فعلم الأنصار القرآن والإسلام، وعندما جاء عليه الصلاة والسلام إلى المدينة بدأ ببناء المسجد، وفيه رجال يصلون ويتفقهون، والوحي ينزل عليه فيه، وفيه آخى بين المهاجرين والأنصار، وفيه أمر من عنده مال أن ينفق على من ليس عنده مال، وفيه نظم الجيوش للدفاع عن الدولة الناشئة، وفيه عقد المعاهدات... وعندما بناه بناه من المواد السهلة المتيسرة ولم يزخرفه، بل نهى عن زخرفة المساجد، فلنبن المساجد بالمواد القوية ولتكن جميلة، ولكن دون زخرفة، ولتنفق أموال الزخرفة على تعليم أبناء المسلمين والدعوة إلى الله.