فهرس الكتاب

الصفحة 1079 من 1664

أقول: ليس له ذلك لأنه لا يوجد نص شرعي على أن علة القتال هي تلك التي ذكرها، ونحن نعلم أن كثيرًا من الشرائع كالزكاة والصيام لم تشرع إلا في المدينة، فهل يصح أن يقال إن علة مشروعية الزكاة والصيام هي وجود الدولة؟! بمعنى أن المسلم لو كان يعيش في غير دار إسلام له أن يقول لا أزكي ولا أصوم؟ لا شك أن الجواب: لا.

فإن قال: إن قضية الجهاد تختلف عن الزكاة والصيام،. قلنا: وما الفرق أليس الكل تشريعًا من عند الله؟

وقد اقتضت حكمته تعالى؛ أن لا يشرع القتال ولا الزكاة ولا الصيام إلا في المدينة بعد قيام الدولة، لكن لا علاقة لوجود الدولة من عدمه بعلة التشريع.

والفيصل هو الدليل، فكما أننا لا نجد دليلًا شرعيًا يربط علة مشروعية الزكاة والصيام بموضوع الدولة بأركانها، فكذلك الأمر بالنسبة للجهاد.

والكاتب لم يذكر دليلًا على ما ذهب إليه، إلا استنباطه ذلك الأمر من كون القتال لم يشرع إلا بعد وجود الدولة بأركانها المعروفة، وهذا كما أسلفنا لا يكفي؛ فإن القتال يشاركه في ذلك الزكاة والصيام وغيرهما.

ثانيًا:

وإذا كان الكاتب ينكر على من يعتبرون أن الحكمة من وراء هذا التدرج في التشريع؛ هي أن المسلمين كانوا بمكة ضعفاء قليلي العدد، ويقول: (غير أن هذه العلة غير واضحة هنا قط لا على مستوى العلة المؤثرة التي ينبغي أن يكون منصوصًا عليها، ولا على مستوى العلة الملائمة التي تعتمد على انسجامها مع المقاصد الكلية ومع ظاهرة الطرد والعكس) [75] .

أقول: إذا كان الكاتب ينكر على أولئك ويطالبهم بالدليل، فإننا نرد الأمر عليه، ونقول له؛ إن ما ذكرته من علة في قضية الجهاد لا يصلح علة مؤثرة ولا علة ملائمة، فإننا لا نجد نصًا يقول لنا بأن العلة من فرضية الجهاد هي ما ذكرت، ولا نجد من المقاصد الكلية للشريعة ما يؤيد دعواك.

ثم إن هؤلاء الذين قالوا بأن الحكمة من وراء عدم تشريع القتال في مكة هي الضعف لم يجعلوا ذلك علة للقتال نفسه، يدور معها حكمه وجودًا وعدمًا؛ لأن العلة عندهم شيء آخر منضبط هو أن القتال إنما شرع لإعلاء كلمة الله وإزالة منكر الكفر، وأن علة قتال الكفار هي كفرهم، كما قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} (الأنفال: 39) .

فالآية ربطت القتال بوجود الفتنة وبكون الدين ليس كله لله.

قال شيخ الإسلام: (فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله) [76] .

ثالثًا:

يذكر الكاتب - في معرض إنكاره على من يعتبر أن الحكمة من عدم تشريع الجهاد في مكة أن المسلمين كانوا ضعفاء - أنه لو كان ذلك صحيحًا؛ (لفرضت الطبيعة البشرية نفسها على حاله وتصرفه ولتجلّى ذلك على أقل تقدير في حقد ينفثه أو توعد يشفي به غليله ولدعا عليهم ذات مرة... إلخ كلامه) .

وأقول: لست أدري من أين أتى الكاتب بفكرة؛ أنه لو كانت الحكمة من عدم مشروعية الجهاد في مكة هي ضعف المسلمين للزم أن يصدر منه صلى الله عليه وسلم توعد للكافرين ودعاء عليهم؟

إن القول بأن السبب في عدم مشروعية القتال في مكة هو ضعف المسلمين، هو القول الأصح كما أسلفنا، وكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يدعُ عليهم ولم يتوعدهم - إن صح - لا يصلح دليلًا على عدم صحة هذا القول، فقد يكون الإنسان ضعيفًا غير قادر على قتال عدوه، ومع ذلك فليس من الضروري أن يصدر منه دعاء ولا توعد.

وبافتراض أن ذلك الدعاء والتوعد مما تقتضيه الطبيعة البشرية؛ فما المانع أن تكون للنبي صلى الله عليه وسلم خصوصية تدفعه إلى إخفاء الأمر في صدره فلا يصدر منه دعاء ولا توعد، فهو صلى الله عليه وسلم - وإن كان بشرًا من البشر إلا أنه بشر يوحى إليه - وكم من أمر خالفت فيه طبيعته صلى الله عليه وسلم طبيعة البشر؛ كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (إن عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي) [77] .

ومع ذلك فالذي نفاه الكاتب من الدعاء والتوعد؛ ثابت بالأحاديث الصحيحة الصريحة.

فأما الدعاء فقد أخرج البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود: (إن قريشًا لما أبطؤوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإسلام قال: اللهم اكفنيهم بسبع كسبع يوسف، فأصابتهم سنة حصَّت كل شيء حتى أكلوا العظام...) [78] .

وأما التوعد فقد قال ابن إسحاق: (... فحدثني يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه عروة بن الزبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قلت له: ما أكثر ما رأيت قريشًا أصابوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانوا يُظهرون من عداوته؟ قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يومًا في الحجر فذكروا رسول صلى الله عليه وسلم... فبينما هم في ذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفًا بالبيت فلما مر بهم غمزوه ببعض القول، قال فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ثم مضى فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها... ثم مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، فوقف ثم قال: أتسمعون يا معشر قريش أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح...) [79] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت