فهرس الكتاب

الصفحة 1083 من 1664

وورد عليه كتاب معاوية بن أبي سفيان:"أما بعد: يا أمير المؤمنين فإن في عملي كاتبًا نصرانيًا لا يتم أمر الخراج إلا به فكرهت أن أقلده دون أمرك فكتب إليه: عافانا الله وإياك قرأت كتابك في أمر النصراني:"أما بعد: فإن النصراني قد مات والسلام" [165] ، وكان لعمر عبد نصراني فقال له: أسلم حتى نستعين بك على بعض أمور المسلمين فإنه لا ينبغي لنا أن نستعين على أمورهم بمن ليس منهم فأبى فأعتقه وقال: اذهب حيث شئت"وكتب رضي الله عنه إلى أبي هريرة رضي الله عنه: أما بعد: فللناس نفره على سلطانهم فأعوذ بالله أن تدركني وإياك أقم الحدود ولو ساعة من النهار فإذا حضرك أمران أحدهما: أمر لله والآخر للدنيا فآثر الله على نصيبك من الدنيا فإن الدنيا تفقد والأخرى تبقى عد مرضى المسلمين واشهد جنائزهم وافتح بابك وباشرهم وأبعد أهل الشرك وأنكر أفعالهم ولا تستعن في أمر من أمور المسلمين بمشرك وساعد على مصالح المسلمين لنفسك فإنما أنت رجل منهم غير أن الله سبحانه جعلك حاملًا لأثقالهم.

كما ذكر أيضًا [166] عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى جميع عماله في الآفاق:"أما بعد فإن عمر بن عبد العزيز يقرأ عليكم من كتاب الله {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجسٌ} [167] ، جعلهم نجسًا حزب الشيطان وجعلهم الأخسرين أعمالًا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا واعلموا أنه لم يهلك هالك قبلكم إلا بمنعه الحق وبسط يد الظلم وقد بلغني عن قوم من المسلمين فيما مضى أنهم إذا قدموا بلدًا أتاهم أهل الشرك فاستعانوا بهم في أعمالهم وكتابتهم لعلمهم بالكتابة والجباية والتدبير ولا خير ولا تدبير فيما يغضب الله ورسوله وقد كان لهم في ذلك مدة وقد قضاها الله، فلا أعلم أن أحدًا من العمال أبقى في عمله رجلًا متصرفًا على غير دين الإسلام إلا نكّلت به فإن محو عمالكم كمحو دينهم وأنزلوهم منزلتهم التي خصهم الله بها من الذل والصغار"اهـ.

فإن قيل هذه النصوص التي أوردتموها كلها في رفضه عليه الصلاة والسلام الاستعانة بالأفراد أما عدم الاستعانة بالدولة الكافرة فلم يرد فيه نص يمنعه فالجواب أن يقال:

أولًا: قوله صلى الله عليه وسلم:"لن أستعين بمشرك"مشرك هنا نكرة جاءت في سياق النفي واتفق علماء الأصول على أن النكرة في سياق النفي صيغة من صيغ العموم فيكون قوله"لن استعين بمشرك"يعم كل مشرك فردًا كان أو دولة.

ثانيًا: الضرر المتوقع والخطر المحتمل من الاستعانة بالفرد الكافر أخف من الضرر المترتب على الاستعانة بالدولة لأن الفرد يكون تحت سيطرة المسلمين ومراقبتهم له أما الدولة فإن قوتها وقدرتها على إيقاع الضرر بالمسلمين أكثر من قدرة الفرد المتوقع حصولها ضد المسلمين فعلى هذا يكون تحريم الاستعانة بالدولة الكافرة أولى من تحريم الاستعانة بالفرد الكافر وبهذا يتبين أن الاستعانة بالكفار لا تجوز مطلقًا أفرادًا كانوا أو دولًا.

أما من جوز الاستعانة بالكفار من العلماء فقد استدل بأدلة واهية لا توصل إلى المدّعى لأنها إما ضعيفة أو غير صريحة في الدلالة أو متناقضة وإليك ما استدل به والجواب عنه:

1)عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينًا فقال لرجل ممن يدعى بالإسلام:"هذا من أهل النار". فلما حضرنا القتال قاتل الرجل قتالًا شديدًا فأصابته جراحة فقيل: يا رسول الله الرجل الذي قلت له آنفًا"إنه من أهل النار"فإنه قاتل اليوم قتالًا شديدًا وقد مات. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إلى النار". فكاد بعض المسلمين أن يرتاب، فبينما هم على ذلك إذ قيل إنه لم يمت، ولكن به جراحًا شديدًا، فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال"الله أكبر أشهد أني عبد الله ورسوله"، ثم أمر بلالًا فنادى في الناس:"إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة وإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر" [168] . قالوا: فهذا الذي قاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات إلى النار فربما أنه كان في حقيقة أمره كافرًا أو أنه ارتاب وشك في الإيمان فمات كافرًا قالوا ويؤيد ذلك آخر الحديث وهو:"الرجل الفاجر"فالفجور عام ويشمل الفسق والكفر."

2)واشتهر عند أهل السير أن صفوان بن امية شهد حنينًا مع النبي صلى الله عليه وسلم وكان مشركًا قال ابن حجر [169] :"وقصته مشهورة في المغازي" [170] .

3)وجاء عن بعض أهل السير أن النبي صلى الله عليه وسلم استعان بناس من اليهود ولم يسهم لهم قال الإمام الترمذي [171] يروى عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم أسهم لقوم من اليهود قاتلوا معه [172] .

4)روى أبو داود بسنده قال: قال جبير: انطلق بنا إلى ذي مِخْبر - رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - فأتيناه، فسأله جبير عن الهدنة، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"ستصالحون الروم صلحًا آمنًا، وتغزون أنتم وهم عدوًَّا من ورائكم" [173] .

5)وروى البيهقي أن سعد بن مالك غزا بقوم من اليهود فرضخ لهم" [174] ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت