فهرس الكتاب
ولأنه إذا منع من الاستعانة بهم في الجهاد مع حسن رأيهم في المسلمين والأمن منهم وقوة المسلمين على المجموع لاسيما مع الحاجة إليهم على قول فهذا في معناه وأولى للزومه وإفضائه إلى ما تقدم من المحرمات بخلاف هذا، وبهذا يظهر التحريم هنا وإن لم تحرم الاستعانة بهم على القتال، وقد نهى الله سبحانه وتعالى المؤمنين أن يتخذوا الكفار بطانة لهم فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم} [190] . وبطانة الرجل تشبيهه ببطانة الثوب الذي يلي بطنه لأنهم يستبطنون أمره ويطلعون عليه بخلاف غيرهم، وقوله {من دونكم} أي من غير أهل ملتكم.
ثم قال تعالى: {لا يألونكم خبالًا} . أي لا يبقون غاية في إلقائكم فيما يضركم والخبال الشر والفساد، {ودوا ما عنتم} . أي يودون ما يشق عليكم من الضر والشر والهلاك، والعنت المشقة يقال فلان يُعنِتُ فلانًا أي يقصد إدخال المشقة والأذى عليه. {قد بدت البغضاء من أفواههم} . قيل بالشتم والوقيعة في المسلمين ومخالفة دينكم، وقيل باطلاع المشركين على أسرار المسلمين. {وما تخفي صدورهم أكبر} أي أعظم، {قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون} .
قال القاضي أبو يعلى من أئمة أصحابنا وفي هذه الآية دليل على أنه لا يجوز الاستعانة بأهل الذمة في أمور المسلمين من العمالات والكتبة ولهذا قال الإمام أحمد رضي الله عنه لا يستعين الإمام بأهل الذمة على قتال أهل الحرب، وقد جعل الشيخ موفق الدين رحمه الله هذه المسألة أصلًا في اشتراط الإسلام في عامل الزكاة فدل على أنها محل وفاق.
وقال الإمام أحمد رحمه الله في رواية أبي طالب وقد سأله يستعمل اليهودي والنصراني في أعمال المسلمين مثل الخراج؟ فقال: لا يستعان بهم في شيء. فانظر إلى هذا العموم من الإمام أحمد نظرًا منه إلى ردىء المفاسد الحاصلة بذلك وإعدامها وهي وإن لم تكن لازمة من ولايتهم ولا ريب في لزومها فلا ريب في إفضائها إلى ذلك، ومن مذهبه اعتبار الوسائل والذرائع وتحصيلًا للمأمور به شرعًا من إذلالهم وإهانتهم والتضييق عليهم وإذا أمر الشارع عليه الصلاة والسلام بالتضييق عليهم في الطريق المشتركة فما نحن فيه أولى هذا مما لا إشكال فيه، ولأن هذه ولايات بلا شك، ولهذا لا يصح تفويضها مع الفسق والخيانة، والكافر ليس من أهلها بدليل سائر الولايات وهذا في غاية الوضوح، ولأنها إذا لم يصح تفويضها إلى فاسق فإلى كافر أولي بلا نزاع ولهذا قد نقول يصح تفويضها إلى فاسق إما مطلقًا أو مع ضم أمين إليه يشارفه كما نقول في الوصية ولأنه إذا لم تصح وصية المسلم إلى كافر في النظر في أمر أطفاله أو تفريق ثلثه مع أن الوصي المسلم المكلف العدل يحتاط لنفسه وماله وهي مصلحة خاصة يقل حصول الضرر فيها فمسألتنا أولى هذا مما لا يحتاج فيه إلى تأويل ونظر والله أعلم. وقال تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا} [191] .
وهذا من أعظم السبيل استدل الشيخ وجيه الدين وغيره من الأصحاب بهذه الآية على أنه لا يجوز أن يكون عاملًا في الزكاة وقد قال أصحابنا في كاتب الحاكم لا يجوز أن يكون كافرًا واستدلوا بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة} [192] . وبقضية عمر على أبي موسى.
وقال الشيخ تقي الدين في أول الصراط المستقيم في أثناء كلام له: ولهذا كان السلف يستدلون بهذه الآية على ترك الاستعانة بهم في الولايات فروى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي موسى قال قلت لعمر رضي الله عنه إن لي كاتبًا نصرانيًا , قال: مالك قاتلك الله , أما سمعت الله يقول: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض} [193] . ألا اتخذت حنيفيًا؟ قال قلت: يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه، قال لا أكرمهم إذ أهانهم الله ولا أعزهم إذ أذلهم الله ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله. انتهى كلامه [194] . ورواه البيهقي وعنده فانتهرني وضرب على فخذي وعنده أيضًا فقال أبو موسى والله ما توليته إنما كان يكتب. فقال عمر: له أما وجدت في أهل الإسلام من يكتب؟ لا تدنهم إذا أقصاهم الله ولا تأمنهم إذا أخانهم الله ولا تعزهم بعد إذ أذلهم الله [195] .
وروى الإمام أحمد عن عمر رضي الله عنه أنه قال: لا تستعملوا اليهود والنصارى فإنهم يستحلون الرُّشاء في دينهم ولا تحل الرُّشاء [196] .