فهرس الكتاب
2)وفي الصحيحين عن أبي هريرة واللفظ للبخاري [85] : (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر فلم نغنم ذهبا ولا فضة، إلا الأموال والثياب والمتاع فأهدى رجل من بني الضبيب يقال له رفاعة بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما يقال له"مدعم"، فوجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وادي القرى حتى إذا كان بوادي القرى بينما مدعم يحط رحلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سهم غائر - لا يدري من رماه - فقتله، فقال الناس: هنيئا له الجنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كلا، والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم تشتعل عليه نارا فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك أو شراكين إلى النبي ص، فقال:(شراك من نار أو شراكان من نار) .
والشراك: هو رباط الحذاء.
والأوصال تضطرب إذا قرأت مثل هذا الحديث، وتقض النفس عن مضجعها، فهذا الغلام شهيد إلا أنه غل شملة - عمامة - فدخل النار ليعذب على مصيبته أو هو في النار إلى أن يعفو الله عنه.
إذا كان الذي يغل - يسرق - من غنائم المجاهدين قبل القسمة تشتعل عليه الشملة نارا، فكيف الذي يأكل أموال الجهاد التي جمعت بالدرهم والدرهمين لليتامى والأرامل والأزواج المجاهدين اللاتي لا يجدن ما يقمن به أودهن وتعوزهم لقمة العيش؟ وماذ تكون عقوبة الذي يبذر أموال الجهاد هنا وهناك دون أن أن يرعى حق الله فيها؟ بل لا يوصل إلى المجاهدين من أموالهم وتعطى لمن يتقنون التمسح بالأبواب والتردد على الأعتاب.
نرجو الله أن يعافينا وأن يحمينا من التهاون بأموال المجاهدين وأن يغفر لنا، {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} .
روى البخاري [86] عن أبي هريرة: (أن الحسن بن علي أخذ تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم بالفارسية: كخ... كخ... أما تعرف أنا لا تأكل الصدقة?) .
كخ: كلمة زجر للصبي عما يريد فعله.
لقد أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حبة التمر من داخل فم حفيده الحسن لأنها من الصدقة.
الغال يفضح على رؤوس الأشهاد يوم القيامة:
فقد روى البخاري عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: (قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره قال: لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة: يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، وعلى رقبته بعير له رغاء) .
حمحمة: صوت الفرس عند الطعام، وهو دون الصهيل.
أكل الطعام من الغنائم ليس غلولا:
فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله ولا نرفع) [87] .
والحديث له حكم الرفع للتصريح بكونه في زمن الرسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنى"لا نرفعه": أي لا ندخره، أولا نستأذن به الرسول صلى الله عليه وسلم.
قال الحسن: (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتحوا المدينة أو الحصن أكلوا من السويق والدقيق والسمن والعسل...) [88] .
ولقد بلغني أن بعض المجاهدين الأفغان يرفض الأكل من طعام الغنيمة حتى يدفع ثمنه ومنهم قائد نازيان (سازنور) .
وقد اتفق الفقهاء الأربعة على جواز الأكل من طعام الغنائم قبل القسمة.
قال ابن حجر [في فتح الباري: 6/552] : (والجمهور على جواز أخذ الغانمين من القوت وما يصلح به وكل طعام يعتاد أكله عموما، وكذلك علف الدواب سواء كان قبل القسمة أو بعدها بإذن الإمام وبغير إذنه. والجمهور على جواز الأخذ ولو لم تكن الضرورة ناجزة، واتفقوا على جواز ركوب دوابهم ولبس ثيابهم واستعمال سلاحهم ورد ذلك بعد انقضاء الحرب) .
لا يشترط استئذان الأمير في أكل الطعام من الغنائم:
قال عياض: (أجمع العلماء على جواز أكل طعام الحربيين ما دام المسلمون في دار الحرب على قدر حاجتهم، ولم يشترط أحد من العلماء استئذان الإمام إلا الزهري. وجمهور الفقهاء على أنه لا يجوز أخذ الطعام إلى دار الإسلام بل يجب رده، ولا يجوز بيع شيء منه في دار الحرب) [89] .
ركوب الدواب ولبس الثياب واستعمال السلاح جائز بدون إذن:
ويجوز ركوب الدواب عند الحاجة، واستعمال الثياب قبل القسمة بدون استئذان، وشرطه الأوزاعي [90] .
واشتراط الحاجة؛ استنباط من الحديث عن رويفع بن ثابت مرفوعا: (من كان يؤمن باللهلله واليوم الآخر فلا يأخذ دابة من المغنم فيركبها حتى إذا أعجفها ردها إلى المغانم، وذكر في الثوب مثل ذلك) [91] . وقد حمل أبو داود الحديث على عدم الحاجة، أما مع الحاجة فلا بأس ولا حرج.
قال في الهداية: (لا بأس بأن يعلف العسكر في دار الحرب ويأكلوا مما وجدوه من طعام، لقوله عليه السلام في طعام خيبر: ؛كلوها واعلفوها ولا تحملوها) ، ويستعملوا الحطب، ويدهنوا بالدهن، ويقاتلوا بمايجدون من السلاح. كل ذلك بلا قسمة إذا احتاج إليه. ولا يجوز أن يبيعوا من ذلك شيئا، ولا يتمولونه.. وأما الثياب والمتاع فيكره الانتفاع بها قبل القسمة من غير حاجة) [92] .
عدم جواز الإستئثار بالطعام وحرمان الآخرين: