فهرس الكتاب

الصفحة 1135 من 1664

فإن قلوب العباد أوعية لما أودع فيها من العلوم، وظروف لما جعل فيها من المعارف بالأمور، وهي مع ذلك تصدأ إذا أُهملت كما يصدأ الحديد، وتضطرب وتفور كما يفور المرجل إذا فتحت أبوابها للوساوس والشكوك والشهوات والشبهات، ويعلوها الران إ ذا تركت نهبا لإبليس وجنوده، حتى إنها لتصير من أثر ذلك معتمة لا تتمكن من الإبصار ومعرفة الحقائق حتى لو كانت في غاية الوضوح ، ويزداد الإعتام كلما بعد الناس عن ربهم حتى تصل إلى درجة الإغلاق التام ، قال الله تعالى:"كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون"فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب سقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله:كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون" [المطففين: 14] قال الطبري:"فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذ الختمُ من قبل الله عز وجل والطبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلك ولا للكفر منها مخلص"، وعن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين:على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه".

ولا يتمكن العبد من النجاة من ذلك إلا بالفرار إلى الله تعالى والرجوع إلى ربه والإنابة إليه، والذل والخضوع والانكسار بين يديه، والاستغفار والتوبة، والاعتماد عليه تعالى في الأمور كلها، فهو ربه ومليكه، وخالقه ورازقه، يعطي ويمنع وهو على كل شيء قدير، قلبه بين يديه يقلبه كيف يشاء، وهذا هو الفرار إليه الذي طلبه الله منا بقوله تعالى:"ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين"فهو سبحانه الملاذ والملجأ وهو المغيث، ولا ملجأ منه تعالى إلى إليه، بقول ابن جرير:"فاهربوا أيها الناس من عقاب الله إلى رحمته بالإيمان به، واتباع أمره، والعمل بطاعته"، والفرار لا يكون إلا إلى الله تعالى ولا يكون إلى أحد من خلقه، فإن الله تعالى هو رب العالمين وهو الفعال لما يريد، والخلق بأجمعهم لا يقدرون على شيء إلا ما شاءه الله تعالى:"وما تشاؤون إلا أن يشاء الله"، ومن فرَّ إلى غيره لم يمتنع منه، حتى يفر الإنسان من نفسه التي بين جنبيه إلى ربه خالقه ومولاه، فراحة الإنسان وأنسه وسعادته وأمنه واطمئنانه إنما تكون بالفرار مما سوى الله إلى الله تعالى.

وقد عبر القرآن عن الرجوع إلى الله تعالى بلفظ الفرار لبيان الحزم والجدية والفورية التي ينبغي أن يتعامل بها مثل هذا الأمر فهو ليس أمرا على التراخي، فشأن المخالفة والمشاققة لله ولرسوله أمر جلل مخوف حقه أن يُفَرَّ منه ويقلع عنه بأقصى ما يمكن، والتعبير بلفظ الفرار يدل على شدة القيود التي تكبل الإنسان أو على شدة المغريات التي تأسره حتى يحتاج إلى الفرار وإلا لم يستطع أن يخرج من دائرة تأثيرها، كما أن التعبير بالفرار ؛ يفصح عن سرعة الإهلاك والعذاب التي تنظر المتواني أو المتباطئ، فالأمر لا يحتمل الإبطاء في الرجوع إلى الله تعالى، فالفرار الفرار إليه يا عباد الله ، فإنه لا مهرب منه إلا إليه، والإنسان في غالب شأنه لا يفر إلا مما يخاف منه أشد الخوف ولا قدرة له على دفع ضره وأذاه، ولا يفر إلى شيء إلا إذا كان يجد عنده الأمن والطمأنينة فكان في هذا التعبير القرآني الموجز أصرح الدلالة على أن الشقاء والبؤس والتعاسة والخسارة الكاملة التي لا ربح بعدها، في البعد عن الله والفرار منه إلى غيره، كما أن الخير والفلاح والربح المضمون الذي لا تعقبه خسارة، في القرب إلى الله والفرار إليه

والفرار إلى الله كما يكون بالعمل بطاعته والتوبة إليه، يكون أيضا بالهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، ومن دار البدعة أو المعصية إلى دار السنة أو الطاعة، ومن أعدائه إلى أوليائه، فهو متضمن للولاء والبراء والثبات على الدين، فالأول فرار بالقلب والثاني فرار بالجسد، والثالث فرار بالقلب والجسد معا، وكل نوع من الفرار مطلوب من المرء كلٍّ على حسب حاله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت