فهرس الكتاب

الصفحة 1232 من 1664

( وقد ذكر أكثر العلماء أن هذه الآية الأخرى في آل عمران نزلت في النجاشي ونحوه ممن آمن بالنبي لكنه لم تمكنه الهجرة إلى النبي ولا العمل بشرائع الإسلام لكون أهل بلده نصارى لا يوافقونه على إظهار شرائع الإسلام وقد قيل أن النبي إنما صلى عليه لما مات لأجل هذا فإنه لم يكن هناك من يظهر الصلاة عليه في جماعة كثيرة ظاهرة كما يصلي المسلمون على جنائزهم ولهذا جعل من أهل الكتاب مع كونه آمن بالنبي بمنزلة من يؤمن بالنبي في بلاد الحرب ولا يتمكن من الهجرة إلى دار الإسلام ولا يمكنه العمل بشرائع الإسلام الظاهرة بل يعمل ما يمكنه ويسقط عنه ما يعجز عنه كما قال تعالى فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة فقد يكون الرجل في الظاهر من الكفار وهو في الباطن مؤمن كما كان مؤمن آل فرعون

قال تعالى وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ……..) فقد أخبر سبحانه أنه حاق بآل فرعون سوء العذاب وأخبر أنه كان من آل فرعون رجل مؤمن يكتم إيمانه وأنه خاطبهم بالخطاب الذي ذكره فهو من آل فرعون باعتبار النسب والجنس والظاهر وليس هو من آل فرعون الذين يدخلون أشد العذاب وكذلك أمرأة فرعون ليست من آل فرعون هؤلاء قال الله تعالى وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين وامرأة الرجل من آله بدليل قوله إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا أمرأته قدرنا إنها لمن الغابرين وهكذا أهل الكتاب فيهم من هو في الظاهر منهم وهو في الباطن يؤمن بالله ورسوله محمد يعمل بما يقدر عليه ويسقط عنه ما يعجز عنه علما وعملا و لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وهو عاجز عن الهجرة إلى دار الإسلام كعجز النجاشي) ا . هـ

-فهل في حكام زماننا ممن يشرعون الأحكام المخالفة لشرع الله أي من هذه الأشياء المذكورة فإذا كان الأمر بهذا التفاوت بين الأصل والفرع فيبطل القياس وعليه تبطل هذه الشبهة .

رابعا:

من المعلوم بالضرورة مما سبق أن النجاشي رحمه الله كان في ديار الكفر والحرب وكان يكتم إيمانه ويتظاهر بالنصرانية ولذلك لم يعرف إسلامه حتى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بل أنكر بعض الصحابة كون النبي صلى الله عليه وسلم يصلي عليه .

ولا شك أن إظهار المسلم دين غير دين الإسلام والتظاهر به في دار الإسلام اختيارا هو كفر أكبر مخرج من الملة ما لم يكن هناك مانع !!!

قال شيخ الإسلام رحمه الله:

( ولهذا ذكروا في سبب نزول هذه الآية: أنه لما مات النجاشي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال قائل: تصلي على هذا العلج النصراني وهو في أرضه؟ فنزلت هذه الآية، هذا منقول عن جابر وأنس بن مالك وابن عباس، وهم من الصحابة الذين باشروا الصلاة على النجاشي، وهذا بخلاف ابن سلام وسلمان الفارسي؛ فإنه إذا صلى على واحد من هؤلاء لم ينكر ذلك أحد. وهذا مما يبين أن المظهرين للإسلام فيهم منافق لا يصلى عليه، كما نزل في حق ابن أبي وأمثاله. وأن من هو في أرض الكفر يكون مؤمنًا يصلى عليه كالنجاشي..) ا.هـ (مجموع الفتاوى ج19/129)

وكفر هذا كما هو معلوم أعظم واظهر من كفر من لم يحكم بغير ما أنزل الله ….

ولما علمنا بالضرورة أن الرسول قد أقره على ذلك وشهد له بالإسلام علمنا بالضرورة

أنه معذور في ذلك وغيره .

فإذا كان هذا العذر ثابت في هذا الكفر المبين فثبوته في غيره من باب أولى وما يقال في هذا يقال في مسألة الحكم التي تفرد بذكرها شيخ الإسلام رحمه الله

وإن لم يظهر وجه كونه عذر ( فرضا !) فليس هذا مبررا أن يكون ما فعله ليس بكفر … والله أعلم

ولعلي إن شاء الله أفردها ببحث مطول في غير هذا الموضع والله المستعان

وأخيرا فهذا طرف من كلام العلماء في هذه المسألة المهمة:

1-قال ابن حزم الأندلسي:

"لا خلاف بين اثنين من المسلمين أن هذا منسوخ ، وأن من حكم بحكم الإنجيل مما لم يأت بالنص عليه وحي في شريعة الإسلام فإنه كافر مشرك خارج عن الإسلام" [ الإحكام في أصول الأحكام 5 / 162 ]

2-وقال رحمه الله:

"إحداث الأحكام لا يخلو من أحد أربعة أوجه: إما إسقاط فرض لازم كإسقاط بعض الصلاة أو بعض الصيام أو بعض الزكاة أو بعض الحج أو بعض حد الزنى أو حد القذف أو إسقاط جميع ذلك وإما زيادة في شيء منها أو إحداث فرض جديد وإما إحلال محرم كتحليل لحم الخنزير والخمر والميتة وإما تحريم محلل كتحريم لحم الكبش وما أشبه ذلك وأي هذه الوجوه كان فالقائل به مشرك لاحق باليهود والنصارى" [ الإحكام 6 / 264 ] .

3-وقال رحمه الله تعالى:

-في تفسير قوله تعالى {إنما النسيءُ زيادةٌ في الكفرِ} [التوبة: 37] :

( …..أن الزيادة في الشيء لا تكون ألبته إلاّ منه لا من غيره، فصح أن النسيء كفر، وهو عمل من الأعمال وهو تحليل ما حرم الله . ) ا.هـ ( الفصل 3/245)

4-قال الشاطبي -رحمه الله- في الاعتصام (2/544) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت