فهرس الكتاب

الصفحة 1250 من 1664

أصبح المسلمون في المدينة هم أهل الحل والعقد، وهم الأجدر بقيادة الناس في المدينة وما حولها، لأنهم أهل الحق الرباني الذي كُلِّفوا تطبيقه في أنفسهم ودعوة الناس إليه. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنهم أصبحوا يملكون أزمّة الأمور في البلاد بنظام وطاعة تحت قيادة واحدة، بخلاف غيرهم من اليهود والمشركين، فقد كانوا يعيشون في فوضى وتطاحن فيما بينهم، وكذلك اليهود لم يكن في استطاعتهم جمع كلمة الناس، بل إنهم كانوا يؤججون بينهم نار الحرب ويبثون بينهم الضغائن، وكان همهم ابتزاز الأموال والسيطرة على الناس عن طريق نشر تلك الفوضى وذلك الحقد.

وكان المشركون من قريش يتربّصون بالمسلمين للقضاء عليهم قبل أن تتوطد دعائم قوتهم وإحكام سيطرتهم على قاعدتهم الجديدة، ولازالت الجزيرة العربية تدين بالشرك وعبادة الأوثان، وينظر سكانها إلى قريش نظر إكبار وإجلال، ويرون في الاقتداء بهم ما يؤهلهم للتقدم والظهور.

ولازال في المدينة نفسها مشركون، بل ظهر عنصر خبيث ماكر وهم المنافقون الذين أظهروا الإسلام خشية من أن تفوتهم بعض المصالح المادية، وهمم في واقع الأمر شر من المشركين.

كما كان بالمدينة يهود الذين كانوا يتوقعون أن يكون الرسول الجديد منهم، فلما بعث من غيرهم امتلأت قلوبهم غيظًا وحقدًا، خاصة بعد أن سبقهم إلى الإيمان به الأُميون من أهل يثرب: الأوس والخزرج، الذين كان يهود يهدِّدونهم بأن نبيًا سيبعث، فيتبعونه - أي اليهود - ويقتلونهم قتل عادٍ وإرم [تفسير ابن كثير (1/124) ] ، كما قال تعالى عنهم: (ولما جاءهم كتاب من عند الله مُصدِّق لما معهم، وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين) [البقرة: 89] .

وهكذا كان الشرك مطبقًا على الجزيرة العربية، وكانت قريش تتربص بالمسلمين الدوائر مع وجود المشركين والمنافقين واليهود في المدينة، وفي كل ذلك خطر على المسلمين القليلي العَدَد والعُدَد، ولا يستبعد اتصال قريش بمشركي المدينة ومنافقيها ويهودها أو العكس للتآمر على المسلمين والقضاء عليهم.

لذلك كان لابد من الإسراع إلى وضع ميثاق توضِّح فيه معالم وحدة الأمة الإسلامية، وصلة غيرها من مشركين ويهود بها، على أن تكون القيادة للأمة الإسلامية لا لأعداء الله من مشركين ويهود الذين لا يؤمن جانبهم، بخلاف المسلمين فإن الوفاء بالعهد عندهم من الدين الذي أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم.

فقد جعل الميثاقُ المسلمين أمة واحدة، من أي جنس كانوا: - ( هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم: إنهم أمة واحدة من دون الناس) .

ولكنه أبقى ما كان معمولًا به في القبائل العربية من التكافل والعَقْل وفداء العاني: (يتعاقلون معاقلهم، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين) .

ودعا الميثاق إلى إعانة من أثقله الدين وكثر عليه العيال: (وأن المؤمنين لا يتركون مَفْرحًا بينهم أن يعطوه بالمعروف والقسط بين المؤمنين) . وألزم المؤمنين الوقوف صفًا واحدًا ضد البغاة الظالمين الآثمين ولو كانوا من ألصق قراباتهم (وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعًا ولو كان ولد أحدهم) .

وقرر المساواة بين المؤمنين: (وأن ذمة الله واحدة يجير عليها أدناهم) وسدّ الباب على المشركين في المدينة على أن يتعاونوا مع مشركي قريش: (وأنه لا يجير مشرك مالًا لقريش ولا نفسًا، ولا يحول دونه على مؤمن) وقرر القصاص في القتلى حتى لا يتعدى أحد على أحد، وحتى لا تعود فوضى الغارات والعداوات والإحن التي كانت ضاربة أطنابها قبل الإسلام بين القبائل: (وأنه من اعتبط [أي قتل بدون حق] مؤمنًا قتلًا عن بينه فإنه قَوَد به، إلا أن يرضى ولي المقتول، وإن المؤمنين عليه كافة ولا يحل لهم إلا القيام عليه) .

وألزمهم ملاحقة المجرمين وعدم إيوائهم حتى ينال كل خارج عن نظام الدولة الإسلامية جزاءه وليرتدع الناس عن الإجرام: (وإنه لا يحل لمؤمن أقرّ بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثًا ولا يؤويه، وأن من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل) .

وقرر تبعية اليهود للأمة الإسلامية مع السماح لهم بالبقاء على دينهم، وألزمهم إعانة المسلمين بالمناصرة وبالإنفاق في الحرب، أما في حالة السلم فعلى كل فريق الإنفاق على نفسه: (وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن يهود … أمة مع المحاربين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ [أي يهلك، راجع النهاية لابن الأثير] إلا نفسه وأهل بيته … ) .

(وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبرّ دون الإثم) .

وقرر قاعدتي النصر والمسئولية، فلم يَبْقَ ذلك العمل الجائر من نصر القبيلة كلها لأي فرد منها سواء كان ظلمًا أو مظلومًا كما قال الشاعر الجاهلي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت