فهرس الكتاب

الصفحة 1252 من 1664

وأمر المسلمين بكف أيديهم عن القتال في مكة - على الرغم من تعدي المشركين عليهم وإيذائهم بكل ألوان الأذى - كان هو المناسب صدوره من العليم الحكيم وقد أشار ابن كثير رحمه الله إلى ما ظهرله من الحكمة في ذلك: (ولم يكن الحال - أي الأمر بالقتال - إذ ذاك مناسبًا لأسباب كثيرة: منها قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم. ومنها كونهم كانوا في بلدهم، وهو بلد حرام وأشرف بقاع الأرض فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداءً كما يقال فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلا بالمدينة لمّا صارت لهم دار ومنعة وأنصار …) [تفسير القرآن العظيم (1/525) ] .

وقد تعرض سيد قطب لذلك في كتاب (في ظلال القرآن) - بعد أن بيّن أنه يجب على المسلم أن يتأدب مع القرآن فلا يجزم أن هذه هي الحكمة أو تلك وأنها أمور اجتهادية تخطئ وتصيب - فبيّن أن الفترة المكية كانت فترة إعداد وتربية للفرد على الصبر وضبط النفس، والبقاء ضمن مجتمع منظم وقيادة تطاع في بيئة كان ذلك مفقودًا فيها. وأن الدعوة السلمية في المجتمع الجاهلي كانت أشد تأثيرًا من الصراع المسلح، وأنه لو أذن للمسلمين في القتال لقامت معركة بين القريب وقريبه في كل بيت لعدم وجود سلطة نظامية متميّزة، وقد يكون ذلك سببًا في نفور الناس من الإسلام، كما أن الله تعالى قد علم أن كثيرًا من المعاندين الذين كانوا يفتنون المؤمنين سيكونون بعدُ من جنود الإسلام.

يضاف إلى ذلك أنه كان يوجد في المجتمع الجاهلي من ينصر المظلوم وقد كان أبو طالب، بل وغيره من بني هاشم وبني عبد المطلب، يحمون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي نقض الصحيفة الآثمة ما يدل على ذلك.

وكان عدد المسلمين قليلًا وعدد عدوهم كثيرًا.

وأخيرًا فإن المرحلة كانت مرحلة دعوة إلى الله وهي محققة دون قتال، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعرض دعوته على الناس في كل مكان [انظر في ظلال القرآن (5/513-514) ] إهـ.

والخلاصة: أن الفترة المكية كانت مرحلة دعوة وابتلاء وصبر وكان جزء منها مرحلة إعداد لإقامة الدولة الإسلامية، ويبدأ هذا الجزء من بدء إسلام أول فوج من الأنصار في منى، أما القتال فكان في ذلك الوقت محرمًا لما سبق ولغيره مما لا يعلمه إلا الله، وفي أول نزول الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة باشر تأسيس قيام الدولة وقد مضى الكلام على ذلك كله مفضلًا.

وبعد أن قامت الدولة الإسلامية أذن الله للمسلمين المظلومين بأن يُقاتلوا الكافرين الظالمين، الذين أخرجوهم بغير حق سوى أنهم يقولون: (ربنا الله) ، ووعدهم سبحانه في الآية بنصره فقال: (أُذن للذين يُقاتَلون بأنهم ظُلِموا وإن الله على نصرهم لقدير) [الحج: 39] .

وكون هذا الإذن وقع في المدينة بعد الهجرة هو الصواب، لا كما قال ابن هشام من أن الإذن وقع في مكة، وبعده أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة إلى المدينة [انظر السيرة النبوية (2/79-80) ] .

وقد ردّ هذا الرأي شمسُ الدين ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد فقال: (فلما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وأيده الله بنصره وبعباده المؤمنين وألّف بين قلوبهم، بعد العداوة والإحن التي كانت بينهم، فمنعه أنصار الله وكتيبة الإسلام من الأسود والأحمر، وبذلوا نفوسهم دونه وقدموا محبته على محبة الآباء والأبناء والأزواج، وكان أولى بهم من أنفسهم، رمتهم العرب واليهود عن قوس واحدة، وشمروا لهم عن ساق العداوة والمحاربة، وصاحوا بهم من كل جانب، والله سبحانه يأمرهم بالصبر والعفو والصفح حتى قويت الشوكة واشتد الجناح، فأذن لهم حينئذ في القتال ولم يفرضه عليهم فقال تعالى:(أُذن للذين يُقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير) [الحج: 39] . وقالت طائفة: (إن هذا الإذن كان بمكة والسورة مكية. وهذا غلط لوجوه: أحدها أن الله لم يأذن بمكة لهم في القتال، ولا كان لهم شوكة يتمكنون بها من القتال بمكة.

الثاني: أن سياق الآية يدل على أن الإذن بعد الهجرة وإخراجهم من ديارهم فإنه قال: (الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله) [الحج: 40] وهؤلاء هم المهاجرون.

الثالث: قوله تعالى: (هذان خصمان اختصموا في ربهم) [الحج:19] ، نزلت في الذين تبارزوا في يوم بدر من الفريقين.

الرابع: أنه قد خاطبهم في آخرها بقوله: (يا أيها الذين آمنوا) والخطاب بذلك كله مدني، فأما الخطاب بـ (يا أيها الناس) فمشترك.

الخامس: أنه أمر فيها بالجهاد الذي يعمّ الجهاد باليد وغيره ولا ريب في أن الأمر بالجهاد المطلق إنما كان بعد الهجرة. فأما جهاد الحجة فأمر به في مكة بقوله: (فلا تطع الكافرين وجاهدهم به) أي بالقرآن (جهادًا كبيرًا …) [الفرقان: 52] .

السادس: إن الحاكم روى في مستدركه من حديث الأعمش … عن ابن عباس قال: (لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكن فأنزل الله عزّ وجلّ:(أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا) وهي أول آية نزلت في القتال) وإسناده على شرط الصحيحين [زاد المعاد (2/65) ] .

فهذه المرحلة هي مرحلة إباحة الله للمؤمنين بأن يقاتلوا عدوهم لظلمهم إياهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت