فهرس الكتاب
قال ابن القيم:"ولما كان جهاد أعداء الله في الخارج فرعًا على جهاد العبد نفسه في ذات الله"كما قال النبي صلي الله عليه وسلم:"المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه"كان جهاد النفس مقدمًا على جهاد العدو في الخارج وأصلًا له فإنه ما لم يجاهد نفسه أولًا لتفعل ما أمرت به وتترك ما نهيت عنه ويحاربها في الله لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج .أهـ. (زاد المعاد 2/38) .
وليس المقصود من هذا تعطيل الجهاد بمعنى القتال إذا تعين بزعم تربية النفس وجهادها أو اشتراط العدالة في المجاهدين حتى يجاب عنه باتفاق العلماء على وجوب القتال على الفسقة والاستعانة بهم إجماعًا كما يقول البعض ، بل المقصود بيان حقيقة كونية وسنة شرعية لا يمكن أن يقوم الجهاد إلا بها وقد سار عليها الأنبياء وأصحابهم فلابد لنا ونحن نحدد للصحوة أولويتها وعملها في واقعنا المعاصر أن نسير على منهجهم ولا يغيب عنا أن جيوش الصحابة والتابعين لم يكن أكثرهم حديثي الإسلام أو من الفساق والمنافقين حاشاهم من ذلك ، بل هم بحمد الله أكمل الأمة إيمانًا وأكثرهم علمًا وأحسنهم عملًا ، وبهذا نصرهم الله .
قال البخاري في صحيحه: باب عمل صالح قبل القتال .
وقال أبو الدر داء: إنما تقاتلون بأعمالكم .
ولاشك أن حالة الضرورة غير حالة الاختيار ، وحالة إحياء الأمة من رقدتها الطويلة وبعثها من تحت سلطان عدوها غير حالة الدفع عن الأمة القائمة إذا نزل بها عدوها إذ لا يستجيب لداعي الجهاد ، بل لكل دواعي طاعة الله في حالة الرقاد إلا من استجاب للإيمان والالتزام أصلًا ، ولا يقوم الحق ومنه الجهاد إلا بقيام الطائفة المؤمنة أولًا فإذا قلنا للناس الآن أن أولى الأولويات في الوقت الحاضر هو إعداد العدة العسكرية (ونحن لانشك في وجوبها مع القدرة) ولكننا نعلم مقدار قوة المؤمنين المتواضعة على ذلك ونعلم كذلك بُعد شباب الأمة ورجالها عن الالتزام بدينهم أصلًا ونعلم ما يترتب على ذلك من أمور ربما تودي بالدعوة من أصلها مع أن الإعداد المادي ربما لا يستغرق إلا أسابيع أو شهور إذا استجاب المرء لداعي الإيمان والالتزام إذا قلنا هذه هي أولى الفرائض وأوجب الواجبات وأن من لا يقوم به خائن لأمته ودينه كان ذلك خلطًا في الموازين ، وقلبًا لسنن الأنبياء الشرعية ومخالفة لسنن الله الكونية .
وإن كان لابد لنا أن نستحضر من هذا المقام تربية المسلمين على روح البذل والجهاد بصوره ومراتبه المختلفة ، وتعريفهم بحقيقة صراعهم مع الباطل وحب الجهاد في سبيل الله والشوق إليه فإن ذلك من لوازم الإيمان كما سبق بيانه .
مراحل تشريع الجهاد ووجوبه
قال ابن القيم -رحمه الله-: فصل في ترتيب سياق هديه مع الكفار والمنافقين من حين بعث إلى حين لقي الله تعالي ، أول ما أوحى إليه ربه I أن يقرأ باسم ربه الذي خلق وذلك أول نبوته فأمره أن يقرأ في نفسه ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ ، ثم أنزل عليه ) يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ( ]المدثر:1-2[ ، فنبأه قومه ثم أنذر من حولهم من العرب ثم أنذر العرب قاطبة ثم أنذر العالمين .
فأقام بضعة عشر سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية ويؤمر بالكف والصبر والصفح ثم أذن له في الهجرة وأذن له في القتال ثم أمره أن يقاتل من قاتله ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام: أهل صلح وهدنة ، وأهل حرب ، وأهل ذمة ، فأمر أن يتم لأهل العهد والصلح عهدهم ، وأن يوفى لهم به ما استقاموا على العهد فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهدهم ولم يقاتلهم حتى يعلمهم بنقض العهد وأمر أن يقاتل من نقض عهده ، ولما نزلت سورة براءة نزلت ببيان حكم هذه الأقسام كلها فأمر أن يقاتل عدوه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في الإسلام وأمره فيها بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم فجاهد الكفار بالسيف والسنان ، والمنافقين بالحجة واللسان وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار ونبذ عهودهم إليهم وجعل أهل العهد في ذلك ثلاثة أقسام:-
قسمًا: أمره بقتالهم وهم الذين نقضوا عهده ولم يستقيموا له فحاربهم وظهر عليهم. وقسمًا: لهم عهد مؤقت لم ينقضوه ولم يظاهروا عليه فأمره أن يتم لهم عهدهم إلى مدتهم.
وقسمًا: لم يكن لهم عهد ولم يحاربوه أو كان لهم عهد مطلق فأمر أن يؤجلهم أربعة أشهر فإذا انسلخت قاتلهم إلى أن قال فقاتل الناقض لعهده وأجل من لا عهد له أو له عهد مطلق أربعة أشهر وأمره أن يتم للموفى بعهده عهده إلى مدته فأسلم هؤلاء كلهم ولم يقيموا على كفرهم إلى مدتهم وضرب على أهل الذمة الجزية فاستقر أمر الكفار معه بعد نزول براءة على ثلاثة أقسام: محاربين له ، وأهل عهد ، وأهل ذمة ، ثم آل حال أهل العهد والصلح إلى الإسلام فصاروا معه قسمين: محاربين ، وأهل ذمة .
والمحاربون له خائفون منه فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمن به ، ومسالم له آمن ، وخائف محارب .أهـ. (باختصار من الزاد 81/82) .