فهرس الكتاب

الصفحة 1282 من 1664

وينبغي أن يُعلم أن التقليد هنا رخصة، ولا يجوز لمستعملها أن يدعو إلى ما تضمنه وينافح عنه ويستدل له، إنما يقوم بذلك من كان لديه علم بالأدلة؛ أما من ليس عنده غير التقليد فإنه لا ينبغي له أن ينشر؛ لأنه ليس من أهل ذلك، ولو تقيد الناس بذلك لقل كثير من الكلام الدي يُنشر؛ لأنه ليس من أهل العلم. قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: «ومسائل الاجتهاد لا يسوغ فيها الإنكار إلا ببيان الحجة لا الإنكار المجرد المستند إلى محض التقليد؛ فإن هذا فعل أهل الجهل والأهواء» (28) ، وقال: «مسائل الاجتهاد لا يجوز لمن تمسك فيها بأحد القولين أن ينكر على الآخر بغير حجة ودليل؛ فهذا خلاف إجماع المسلمين (29) » .

وسئل ـ رحمه الله ـ عمن ولي أمرًا من أمور المسلمين ومذهبه لا يجوِّز «شركة الأبدان» فهل يجوز له منع الناس؟ فأجاب: «ليس له منع الناس من ذلك ولا من نظائره مما يسوغ فيه الاجتهاد وليس معه نص من كتاب ولا سنة ولا إجماع، ولا ما هو في معنى ذلك» (30) .

وينبغي هنا التفريق بين مسائل الخلاف ومسائل الاجتهاد؛ إذ بعض الناس يستخدمون اللفظين على أنهما مترادفان؛ ومسائل الخلاف أوسع أو أعم من مسائل الاجتهاد؛ فمسائل الخلاف تشمل المسائل التي اختلف فيها المسلمون سواء أكان هذا الخلاف سائغًا أو غير سائغ، وأما مسائل الاجتهاد فإنما تتناول أو تشمل المسائل التي يسوغ فيها الاختلاف.

آداب النشر:

وفي الدعوة إلى مسائل الاجتهاد أو نشرها ينبغي مراعاة أمور كثيرة حتى يكون العمل نافعًا مفيدًا من غير أن يترتب عليه ضرر؛ فمن ذلك:

ـ عدم البغي أو الاستطالة على المخالف، واتهامه في نيته، والبحث له عن زلات أو عيوب خارجة عن نطاق الموضوع. ومنه أن تكون المرجعية والمحاججة لكتاب الله ـ تعالى ـ وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وليس لفلان؛ فإذا وقف الأمر عند حد المحاججة بالرجال فينبغي أن ينتهي الحديث عند ذلك. ومن ذلك العلم؛ فلا يتكلم في شيء إلا إذا علمه صحيحًا من مصادره الصحيحة، وليس لمجرد كلمة يقرؤها من هنا وكلمة من هناك، ثم ينصب نفسه للدعوة والمجادلة. ومن ذلك عدم إهدار ما عند الآخرين من الخير والفضل من أجل الخلاف في هذه المسائل، ومن ذلك عدم التفسيق أو التبديع؛ لأن هذه المسائل ليست من مسائله. ومن ذلك أن يكون الحرص على الاتفاق لا على تأكيد الخلاف، ومن ذلك أن تبقى الأخوة والمودة والتناصح والتعاون على الخير حتى مع استمرار الخلاف.

لكن هناك مسألة ينبغي النظر إليها، وهي ما إذا كان الشخص قد جمع بين الأمرين: بين فساد في بعض مسائل الاعتقاد أو الأقوال الفقهية الشاذة، وبين جودة رأي في بعض المسائل الأخرى؛ فهل يسمح له بحرية النشر في المجال الذي أجاد فيه؟ وهذه المسألة قد تطرَّق لشبيه لها من بعض الوجوه علماء الحديث من قبل فيما يخص جواز التحديث عن أهل البدع؛ فبعض أهل العلم رأى أن مجال الرواية هو على الأمانة والصدق والضبط، فإذا كان الرجل أمينًا صادقًا ضابطًا فلا حرج من التحديث عنه، وعليه بدعته.

ورأى آخرون أن يترك حديثه لئلا يكون في التحديث عنه إشهار لأمره وتعديل له وتزكية. وفصَّل آخرون وقالوا: إن كان ما يرويه يدعم بدعته ويؤيدها فلا يقبل، وإلا فلا مانع من التحديث عنه بشرط الصدق والضبط.

والذي يترجَّح لديَّ أن هذه المسائل تعد من مسائل السياسة الشرعية التي لا يترجَّح فيها قولٌ واحدٌ على طول الزمن، وإنما هو تابع للمصلحة الشرعية في كل عصر؛ فإن كان يوجد من بين المسلمين سليمي العقيده من يغني عما عنده من جودة فكر ورأي؛ فلا أرى تمكينه من النشر ومخاطبة الناس، وإن كان لا يوجد من يغني عنه، فلا مانع من النشر له في هذا الباب فقط، والمسألة من قبل ومن بعد مسألة اجتهادية.

(1) تفسير ابن جرير 82/62.

(2) تفسير ابن جرير 5/123.

(3) انظر منهاج السنة لابن تيمية 3/2، (طبعة أنصار السنة بالقاهرة) .

(4) مجموع الفتاوى 91/671، وانظر الموافقات للشاطبي 3/712 ـ 812.

(5) تفسير ابن جرير رحمه الله 62/321.

(6) المصدر السابق 5/122.

(7) أخرجه البخاري كتاب الأذان، باب ما يحقن بالأذان من الدماء، رقم 585، واللفظ له، ومسلم 1/882.

(8) أخرجه البخاري (3/391 فتح الباري) .

(9) ذكره ابن حجر 8/85 فتح الباري.

(10) أخرجه الحاكم في المستدرك (4/315) وقال: صحيح على شرط مسلم، وسكت عنه الذهبي، وأخرجه أبو داود 4/202.

(11) أخرجه البخاري، باب فضل سورة البقرة.

(12) تفسير القرطبي 1/043.

(13) تفسير القرطبي 8/992.

(14) متفق عليه.

(15) العمرية: نسبة إلى الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ الذي وردت عنه تلك الشروط، وأهل الذمة هم الكفار الذين يقيمون بدار الإسلام بعد التزامهم بأحكام أهل الذمة.

(16) أحكام أهل الذمة 3/4521.

(17) الفروع 6/752.

(18) التنبيه 1/932، وانظر منار السبيل 1/582.

(19) انظر في تفصيل ذلك أحكام القرأن، للجصاص 4/572، أحكام أهل الذمة، لابن القيم 3/7531.

(20) فتح القدير 2/821.

(21) انظر مجموع الفتاوى 82/702.

(22) اخرجه مسلم، باب من سن سنة حسنة 4/0602.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت