فهرس الكتاب
ويتبين مما تقدم أن الدين كله سياسة لإصلاح الحياة الدنيا ودرء المفاسد عنها، وكذلك لإصلاح الآخرة ودرء المفاسد عنها. واللغة العربية لغة القرآن تصدِّق ذلك؛ فقد جاء في كتاب الغريب: «الدين: المُلك والسلطان، قال الله ـ تعالى ـ: {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} [يوسف: 76] ، أي في سلطانه وملكه» (3) ، وفي لسان العرب: «دِنْته أَدِينُه دَيْنًا: سُسْته، ودِنته: مَلَكْتُه، ودَيَّنْتُه القومَ: ولَّيته سياستهم» (4) ، وقال ابن الجوزي: «الشريعة سياسة إلهية» (5) ، وقد كتب ابن تيمية ـ رحمه الله ـ رسالة في السياسة الشرعية، قال في أولها: «فهذه رسالة مختصرة فيها جوامع من السياسة الإلهية» . وبيَّن ـ رحمه الله ـ أنها «مبنية على آية الأمراء في كتاب الله» (6) ، فسماها: سياسة إلهية، وهو ما يكون دليلًا واضحًا على أن السياسة التي يُعتد بها شرعًا هي السياسة التابعة للشريعة، وأما السياسة المخالفة للشرع، وإن بدا لبعضهم أنها محققة لبعض المصالح، فهي ليست بسياسة على الحقيقة، وإن سُميت بذلك؛ فإن العبرة بالحقائق وليس بالأسماء؛ فإذا كان الاسم يخالف الحقيقة، فلا قيمة له ولا عبرة به، ذكر ابن الجوزي ـ رحمه الله ـ «أن عضد الدولة كان يميل إلى جارية، فكانت تشغل قلبه، فأمر بتغريقها، لئلا ينشغل قلبه عن تدبير الملك» وعلق على ذلك بقوله: «وهذا هو الجنون المطبق؛ لأن قتل مسلم بلا جُرم لا يحل، واعتقاده أن هذا جائز كفر، وأن اعتقاده غير جائز، لكنه رآه مصلحة، فلا مصلحة فيما يخالف الشرع» (7) ، وقد نقل ابن مفلح في الفروع قوله: «أكثر السلاطين يعملون بأهوائهم وآرائهم لا بالعلم، ويسمون ذلك سياسة، والسياسة هي الشريعة» (8) .
الاجتهاد في السياسة الشرعية:
وإذ يتبين مما تقدم أن السياسة الكاملة تقوم على جلب مصالح الدارين، ودفع المفاسد والغوائل عنهما، فإن المصالح والمفاسد. منها ما هو معلوم مُدرَك بالنصوص كمصلحة العبادات من صوم وصلاة وحج وزكاة، ومثل تناول الطيبات من المطعومات والمشروبات، ومثل ستر العورات، واجتناب النجاسات ونحو ذلك، وكذلك المفاسد منها ما هو معلوم مُدرَك بالنصوص كالربا، وشرب الخمر، والسرقة، وقتل النفس بغير حق، والظلم، ونحو ذلك.
ومن المصالح والمفاسد ما هو مدرَك بالاجتهاد لا سيما أن منها ما هو متجدد بتجدد الأزمان ويختلف باختلاف ظروف المكان. والمصالح والمفاسد المدرَكة بالاجتهاد يدخل الخطأ في إدراكها وتصويرها وتحققها في آحاد وأفراد الصور الواقعة كثيرًا؛ فقد يُظن ما ليس بمصلحة (حقيقية) مصلحة ينبغي تحصيلها، وقد يظن في الجانب المقابل ما ليس بمفسدةٍ (حقيقية) مفسدةً ينبغي دفعها وإزالتها، ويعظُم هذا الخلط والاضطراب عندما لا تتميز المصالح من المفاسد، فتكون المصلحة المطلوب تحصيلها تكتنفها مفسدة أو عدة مفاسد، وكذلك قد تكون المفسدة المطلوب دفعها مختلطة بمصلحة أو عدة مصالح، ولا يمكن دفعها على الانفراد، فيكون في دفعها دفعًا لتلك المصالح؛ لذلك فإن الفقه في هذا الباب لا يصلح أن يُقْدِم عليه المبتدئون أو الشادون في الفقه، وإنما هو في حاجة إلى فقهاء متضلعين تضلعًا كاملًا في فقه الشريعة بمعناه الشامل، إضافة إلى الخبرة الواسعة بالواقع، ولعلنا في هذه المقالة نعرج على بعض القواعد الفقهية التي تضبط هذا الأمر؛ فمن ذلك:
القاعدة الأولى: لا ضرر ولا ضرار:
وهي قاعدة عظيمة، بل من أعظم قواعد الفقه في السياسة الشرعية، وعليها تنبني فروع فقهية كثيرة يعسر حصرها في هذا المقال، ومستند هذه القاعدة ودليلها نص حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا ضرر ولا ضرار» (9) .
معنى الضرر والضرار:
الضرر والضرار قيل: هما لفظتان بمعنى واحد على وجه التأكيد، ويقال: الضرر الذي لك فيه منفعة وعلى غيرك فيه مضرة، والضرار الذي ليس لك فيه منفعة وعلى غيرك المضرة، وقيل: الضرر أن تضر بمن لا يضرك، والضرار أن تضر بمن أضر بك، لا على سبيل المجازاة بالمثل والانتصار للحق، بل على سبيل الإضرار والانتقام، وقد علق ابن عبد البر ـ رحمه الله ـ على تلك الأقوال بقوله: «والذي يصح في النظر ويثبت في الأصول أنه ليس لأحد أن يضر بأحد سواء أضر به قبلُ أم لا، إلا أنَّ له أن ينتصر ويعاقب إن قدر، بما أُبيح له من السلطان، والاعتداء بالحق الذي له مثل ما اعتدي به عليه، والانتصار ليس باعتداء ولا ظلم ولا ضرر، إذا كان على الوجه الذي أباحته الشريعة» (10) .
تفسير القاعدة: