فهرس الكتاب

الصفحة 1287 من 1664

عند دفع الضرر أو السعي في إزالته، قد لا يتيسر ذلك إلا بالوقوع في ضرر آخر، وهنا يتحتم علينا إذا أردنا إزالة الضرر أن نقع في ضرر آخر، والمقصود دفع الضرر بالكلية؛ فإذا تعذر ذلك ولم يمكن، فإنه يحتمل أخف الضررين، فإذا كان الضرر المدفوع يزيد عن الضرر المترتب على ذلك دُفع، وإن كان الضرر المترتب أعلى من الضرر المدفوع، لم يدفع الضرر في هذه الحالة، ولا يمكن أن يقال: إذا ترتب على دفع الضرر ضرر آخر لم يدفع الضرر حتى وإن كان الضرر المترتب أقل من الضرر المدفوع؛ لأن هذا يخالف قاعدة السعي في إزالة الضرر، وقد عبر أهل العلم عن تلك القاعدة بقاعدة «احتمال أخف الضررين» أو «أهون الشرين» أو «تُدفع المفسدة العظمى باحتمال أدناهما» أو نحو ذلك من تلك العبارات، وهذه القاعدة لها فروع كثيرة، وقد جاء بعضها في السياسة الإلهية؛ فمن ذلك ما فعله الخضر ـ عليه السلام ـ عندما خرق السفينة؛ فقد كان في خرقه لها ضرر، ولكنه فعل ذلك ليدرأ ضررًا أشد، وهو مصادرة السفينة من قِبَل الملك الظالم الذي كان يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا، فخرقُ السفينة ضرر لا شك فيه، ولكنه بلا شك أقل ضررًا من ضياع السفينة كلها، فلم يمكن إزالة الضرر الكبير إلا باحتمال الضرر الأقل، والشيء نفسه يقال في قتله للغلام، وهذه وتلك من السياسة الإلهية؛ لأن الخضر ـ عليه السلام ـ قال لموسى ـ عليه السلام ـ بعدما بيَّن له وجه هذه التصرفات: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [الكهف: 82] .

القاعدة الرابعة: إذا اجتمعت المصلحة والمفسدة فالعمل على أرجحهما:

هناك من الأمور ما لا تكون فيها المصلحة خالصة، أو المفسدة خالصة بل يجتمع الأمران في آن؛ بحيث لا يمكن التعامل مع أي منهما على انفراد، فلا تُحصَّل المصلحة إلا بتحصيل المضرة، ولا تُزال المضرة أو تدفع إلا بإزالة المصلحة ودفعها، فإن كانت المصلحة أرجح من المضرة؛ فإن المصلحة تُحَصَّل، وإن أدى ذلك إلى تحصيل المضرة؛ لأنها تنغمر إلى جانب المصلحة الأكبر، وإن كانت المضرة أرجح فإنها تدفع، وإن أدى ذلك إلى دفع مصلحة هي أقل من المضرة شأنًا.

ومن فروع تلك القاعدة فداء أسرى المسلمين بالمال؛ فتحرير الأسارى المسلمين من أيدي الكفار مصلحة، بينما ذهاب جزء من أموال المسلمين إلى الكفار مفسدة، لكن مصلحة تحرير أسرى المسلمين أرجح من مفسدة ذهاب جزء من أموال المسلمين إلى الكفار فترجح، ويدخل في ذلك تبادل الأسرى، وإعطاء بعض المؤن للكفار إذا لم يمكن توصيل المؤن للمسلمين المحاصرين إلا بذلك الطريق، ونحو ذلك من المسائل. وقد لخص ابن تيمية ـ رحمه الله ـ الكلام في هذه القاعدة بكلام بديع فقال: «الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وأنها ترجح خير الخيرين وشر الشرين، وتحصّل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما» إلى أن يقول ـ رحمه الله ـ: «وهذا باب التعارض باب واسع جدًا، لا سيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوة وخلافة النبوة؛ فإن هذه المسائل تكثر فيها، وكلما ازداد النقص ازدادت هذه المسائل، ووجود ذلك من أسباب الفتنة بين الأمة؛ فإنه إذا اختلطت الحسنات بالسيئات وقع الاشتباه والتلازم؛ فأقوام قد ينظرون إلى الحسنات فيرجحون هذا الجانب وإن تضمن سيئات عظيمة، وأقوام قد ينظرون إلى السيئات فيرجحون الجانب الآخر، وإن ترك حسنات عظيمة، والمتوسطون الذين ينظرون الأمرين قد لا يتبين لهم أو لأكثرهم مقدار المنفعة والمضرة، أو يتبين لهم فلا يجدون من يعنيهم العمل بالحسنات وترك السيئات، لكون الأهواء قارنت الآراء» (13) .

والفقه الصحيح في هذا الباب الذي يترتب عليه تقديم ما يستحق التقديم، وتأخير ما حقه التأخير، وتحصيل ما حقه أن يحصل، ودفع ما حقه أن يدفع، يحتاج إلى علم صحيح بمراتب الأعمال ودرجاتها وتفاوتها، فيميز بين الضار والأشد ضررًا، والضار الخالص الذي ليس فيه نفع، والضار الذي يصحبه نفع، ويميز بين الصالح والأشد صلاحًا، والصالح الذي ليس فيه مفسدة، والصالح الذي تخالطه المفسدة، ويوازن بين الصلاح وبين الضرر عند الاختلاط، فيعرف أرجحهما وأخطرهما، ويعمل على مقتضى ذلك بحسب ما تقدم من القواعد.

أخف الضررين والفهم الخاطئ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت