فهرس الكتاب

الصفحة 1314 من 1664

-جمع الإمكانيات لإقامة الدولة... وهو من إعداد القوة، وهذه هي الصفة الشرعية وهذا العمل هو في نفس الوقت بالصفة الحركية... سيحمي الحركة من الوصول إلى مرحلة حدوث العجز الإداري والفني عند إقامة السلطة.

والشرط الأساسي في ممارسة تحقيق هذه الأهداف الموازية لهدف إقامة السلطة هو ألا يطغى هدف بعينه على بقية الأهداف الموازية، وألا يطغى مجموع الأهداف الموازية على هدف إقامة السلطة والإعداد لها بالصورة الحركية المباشرة؛ لأن له الاعتبار الأول في الدعوة... ودون أن يوقف هذا الهدف الأساسي هذه الأعمال لأنها واجبات أصلية بصفتها الشرعية، ومؤدية إلى الهدف الأساسي بصفتها الحركية.

الخط الثاني: هو أن يكون للمستضعفين في زمن الحركة الولاية في نظام الدولة45... وذلك لأن الدولة والسلطة فتنة فلا يجب أن يتعرض لها إلا من لا تضره بإذن الله... والمستضعفون هم الذين عرضت على قلوبهم الفتن كالحصير عودًا عودًا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث46.

فالمستضعفون هم الذين لا تضرهم الدنيا والسلطان بعد أن مروا بمرحلة الاستضعاف...

من ناحية أخرى... فإن تولية المستضعفين مسألة عدل... يدل على ذلك خطبة عمر بن الخطاب التي رواها ليست عند عباس قائلًا: خطب عمر بن الخطاب بالجابية فقال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقامي فيكم فقال:"استوصوا بأصحابي خيرًا، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"47. كما قال عمر أيضًا في موضع اخر: إن الله عز وجل جعلني خازنًا لهذا المال وقاسمه له ثم قال: بل الله يقسمه وأنا بادئ بأهل النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم أشرفهم، نفرض لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم عشرة الاف إلا جويرية وصفية وميمونة، فقالت عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعدل بيننا، فعدل بينهن عمر، ثم قال: إني بادئ بأصحابي المهاجرين الأولين فإنا أخرجنا من ديارنا ظلمًا وعدوانًا، ثم أشرفهم، ففرض لأصحاب بدر منهم خمسة الف: ولمن شهد بدرًا من الأنصار أربعة الاف ولمن شهد أحد ثلاثة الاف قال: ومن أسرع في الهجرة أسرع به العطاء، ومن أبطأ في الهجرة أبطأ به العطاء؛ فلا يلومن رجلًا إلا مناخ راحلته48.

ومن ناحية ثالثة... فإن تولية المستضعفين وهم خير من حفظهم الله من فتنة السلطة سيكونون خير من يحفظون أمانة السلطة.

وهذه خطبة عتبة بن غزوان التي تمثل الوثيقة السياسية التي يتأكد منها منهج الدعوة في الانتقال من مرحلة الحركة إلى مرحلة الدولة.

خطبنا عتبة بن غزوان فحمد الله وأثنى عليه، قال: أما بعد: فإن الدنيا قد اذنت بصرم وولت حذاء ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها؛ فانتقلوا بخير ما بحضرتكم فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفة جهنم فيهوي فيها سبعين عامًا لا يدرك لها قعرًا، ووالله لتملأن، أفعجبتم، ولقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة؛ وليأتين عليها يوم وهو كظيظ من الزحام ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك فاتزرت بنصفها واترز سعد بنصفها فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميرًا على مصر من الأمصار، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيمًا وعند الله صغيرًا، وإنها لم تكن نبوة قط إلا تناسخت حتى يكون اخر عاقبتها ملكًا فستخبرون وتجربون الأمراء بعدنا49.

ومن تحليل الوثيقة يتبين:

كيف أن الولاية لم تؤثر في إيمان الولاة وارتباطهم بالآخرة واحتقارهم لشأن الدنيا، وكيف أن الولاية لم تنس الولاء فترة الاستضعاف وأنها لا زالت هي الفترة التي تملأ عقله ووجدانه ولم تزحزحهاعن ضميره ممارسة والحكم. وكيف أن الولاية لم تصبه بأمراضها فنراه يستعيذ بالله أن يكون في نفسه عظيمًا وعند الله صغيرًا، وكيف أن الولاية مرحلة ستمر ولن تبقى لهم وأنه سيأتي ولاة آخرون محددو الصفات والمعالم.

وهذه وثيقة أخرى تتضمن نفس القاعدة وهي وثيقة تعيين أول سفراء بعد إقامة الدولة الإسلامية.

وهذا بيان بأسماء المعينين وصفات كل منهم:

حاطب بن أبي بلتعة: سفير إلى مصر أرسل إلى المقوقس. وهو بدري شهد الحديبية50.

دحية بن خليفة الكلبي: سفير إلى الروم أرسل هرقل. وهو قديم شهد المشاهد51.

سليط بن عمرو العامري: سفير اليمامة أرسل إلى هوذة بن علي. وهو بدري له قدم في الإسلام52.

شجاع بن وهب الأسدي: سفير إلى دمشق أرسل إلى الحرث بن أبي شمر. من السابقين هاجر للحبشة53.

عبد الله بن حذافة السهمي: سفير الى فارس أرسل إلى ابرويزبن هرمز. مجاب الدعوة من سادة الصحابة54.

عمرو بن أمية: سفير إلى الحبشة ارسل إلى الأصم بن أبجر النجاشي. أسلم يوم أحد55.

عمرو بن العاص سفير إلى عمان. أسلم قبل الفتح56.

وعندما نقدم هذا النموذج التاريخي لدولة الدعوة نقدم معه هذه الحقيقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت