فهرس الكتاب
كنا في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنا أسرينا حتى إذا كنا في آخر الليل وقعنا وقعة ولا وقعة أحلي عند المسافر منها، فما أيقظنا إلا حر الشمس، فلما استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم شكوا إليه الذي أصابهم، قال:"لا ضير - أو لا يضير - ارتحلوا". فارتحل، فسار غير بعيد، ثم نزل فدعا بالوضوء فتوضأ، ونودي للصلاة فصلى بالناس، فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصلِّ مع القوم، قال:"ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟!". قال: أصابتني جنابة... ولا ماء. قال:"عليك بالصعيد؛ فإنه يكفيك". ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم فاشتكى إليه الناس من العطش، فنزل فدعا فلانًا - كان يسميه أبو رجاء نسيه عوف - ودعا عليًّا فقال:"اذهبا فابتغيا الماء". فانطلقا فتلقيا امرأة بين مزادتين - أو سطيحتين - من ماء على بعير لها فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة، ونفرنا خلوفًا. قالا لها: انطلقي إذًا. قالت: إلى أين؟ قالا: إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: الذي يقال له الصابئ؟ قالا: هو الذي تعنين، فانطلقي
فجاءا بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحدثاه الحديث. قال: فاستنزلوها عن بعيرها، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم بإناء ففرغ فيه من أفواه المزادتين - أو السطيحتين - وأوكأ افواههما وأطلق العزالى ونودي في الناس: استقوا. فسقى من شاء، وكان آخر ذاك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء قال: اذهب فأفرغه عليك. وهي قائمة تنظر إلي ما يفعل بمائها. وأيم الله لقد أقلع عنها وإنه ليخيل إلينا أنها ملاة منها حين ابتدأ فيها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اجمعوا لها. فجمعوا لها - من بين عجوة ودقيقة وسويقة - حتى جمعوا لها طعاما فجعلوها في ثوب وحملوها ووضعوا الثوب بين يديها، قال لها: تعلمين ما رزئنا من مائك شيئًا، ولكن الله هو الذي أسقانا... فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون علي من حولها من المشركين ول يصيبون الصرم الذي هي منه. فقالت يوما لقومها: ما أري أن هؤلاء القوم يدعونكم عمدًا، فهل لكم في الإسلام؟ فأطاعوها، فدخلوا في الإسلام66.
أنموذج:
نفي دلالة مرفوضة، وإثبات دلالة مقبولة.
عن ابن عمر قال: كنا في غزاة فحاص الناس حيصة. قلنا: كيف نلقي النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد فررنا من الزحف، وبؤنا بالغضب؟ فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم قبل صلاة الفجر، فخرج فقال: من القوم؟ فقلنا نحن الفرارون، قال: لا بل أنتم العكارون (أي الكرارون) ، فقبلنا يده، فقال: أنا فئتكم وفئة المسلمين، ُثم قرأ (إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلي فئة) 67.
وذلك في تفسير قول الله عز وجل:"إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار".
وفي غزوة أحد حيث وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الغزوة وجمع المسلمين حوله ليردوا علي أبي سفيان الذي أراد أن يحقق نتيجة سياسية للغزوة...
وأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ فقال:"لا تجيبوه"فقال أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال:"لا تجيبوه". فقال أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا. فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله، أبقي الله عليك ما يخزيك! قال أبو سفيان: أعل هبل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم"أجيبوه". قالوا: ما نقول؟ قال"قولوا: الله أعلي وأجل". قال أبو سفيان. لنا العزي ولا عزي لكم. فقال الني صلى الله عليه وسلم:"أجيبوه"قالوا ما نقول؟ قال"قولوا: الله مولانا ولا مولي لكم". قال أبو سفيان يوم بيوم بدر، والحرب سجال. قال الني صلى الله عليه وسلم:"أجيبوه"! قالوا: ما نقول؟ قال"قولوا: قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار"68.
حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سار ورائهم بالجيش وأقام ثلاث ليال حتى سميت غزوة حمراء الأسد69.
وكان في هذا أيضًا نفي دلالة مرفوضة وإثبات دلالة مقبولة.
فالوقوف بعد أحد ثلاث لنفي دلالة مرفوضة وهي قبول الهزيمة وإثبات دلالة مقبولة وهي الإصرار علي مواصلة الجهاد بعد حرمان العدو من تحقيق أي نتيجة سياسية لصالحه.
أنموذج:
حدث قام علي حفظ صورة الدعوة في نظر الناس كدلالة مطلوبة.
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما:"كنا في غزاه... فكسع70 رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار! وقال المهاجري: يا للمهاجرين! فسمعها الله رسوله صلى الله عليه وسلم قال: ما هذا؟"
فقالوا: كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار؟ فقال الأنصاري: يا للأنصار! وقال المهاجري: يا للمهاجرين! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعوها؛ فإنها منتنة. قال جابر: وكان الأنصار حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم أكثر، ثم كثر المهاجرون بعد فقال عبد الله بن أبي... أو عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق! قال النبي صلى الله عليه وسلم: دعه حتى لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه71.
أنموذج:
حدث نشأ بدلالة مقبولة، بعد تجريده من دلالة مرفوضة.