فهرس الكتاب

الصفحة 1378 من 1664

وقد بين القرآن سبب مسارعة بعض من يظهر الانتساب للإسلام في التحالف مع الكفار، وأن ذلك نتيجة ضعف إيمانهم أو ذهابه بالكلية؛ لكي يكون لهم الكفار نصراء وحلفاء عند الحاجة، يقول ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير الآية، وكأنه يصف حال كثيرين من أهل زماننا ممن يوالون اليهود والنصارى ويسارعون فيهم:"وقوله: [فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ] أي: شك، وريب، ونفاق [ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ ] أي: يبادرون إلى موالاتهم ومودتهم في الباطن والظاهر، [ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ] أي: يتأولون في مودتهم وموالاتهم أنهم يخشون أن يقع أمر من ظفر الكفار بالمسلمين، فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى، فينفعهم ذلك، عند ذلك" [20] ، وهذه في الحقيقة حجة كثيرين ممن يزعمون أن لأهل الذمة الحق في المشاركة في الحياة السياسية في بلاد المسلمين يصطنعون بذلك يدا عند أمم الكفر الغالبة موافقة لهم ومداهنة لهم.

ومن تتبع الشروط الواردة في ولاية أمر المسلمين في جميع كتب أهل العلم من جميع المذاهب، علم يقينا أنه لا يجوز بحال أن يتولى كافر ولاية الأمر، سواء كان كافرا أصليا أو كافرا لردته عن الإسلام، وسواء كان غازيا محتلا لبلاد لمسلمين، أو كان من أهل الذمة المقيمين في بلاد المسلمين.

فما نسمعه اليوم من المنتسبين إلى بعض الجماعات الإسلامية الخائضين في الانتخابات البرلمانية، من أنه يجوز للنصراني في بلد المسلمين أن يكون وليا للأمر هو باطل بيقين ومخالف لإجماع المسلمين، قال القاضي عياض:"أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْإِمَامَة لَا تَنْعَقِد لِكَافِرٍ ، وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْكُفْر اِنْعَزَلَ ، قَالَ: وَكَذَا لَوْ تَرَكَ إِقَامَة الصَّلَوَات وَالدُّعَاء إِلَيْهَا" [21] ونقل هذا الإجماع أيضا ابن حجر فقال: يَنْعَزِل بِالْكُفْرِ إِجْمَاعًا [22] .

وقال ابن الأزرق:" (بعدما ذكر كلام ابن العربي المتقدم) قلت: وقد ورد العمل بذلك عن السلف، قولًا وفعلًا، ويكفي من ذلك روايتان: الرواية الأولى: (وذكر رواية عمر رضي الله تعالى عنه مع أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه التي سبقت) ، الرواية الثانية: قال:"وكتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى بعض عماله: أما بعد فانه بلغني أن في عملك رجلًا يقال له فلان-وسماه-على غير دين الإسلام، والله تعالى يقول:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين"، فإذا أتاك كتابي هذا، فادع فلانًا إلى الإسلام، فإن من أعمال المسلمين، فقرأ عليه الكتاب، فأسلم" [23] ، وما تقدم من الأدلة والأقوال دليل على أنه لا يجوز أن تكون لأهل الذمة ولاية على المسلمين، سواء كان في ولاية عامة أو خاصة، وقد سئل أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى:" (في رواية أبي طالب) نستعمل اليهودي والنصراني في أعمال المسلمين مثل الخراج؟ فقال: لا يستعان بهم في شيء" [24] "

2-النهي عن اتخاذهم بطانة:

قال الله تعالى:"لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر" [آل عمران:118] ، بوب البخاري في صحيحه باب: بِطَانَة الْإِمَام وَأَهْل مَشُورَته، الْبِطَانَة: الدُّخَلَاء، قَال ابن حجر في الشرح: قوله ( بَاب بِطَانَة الْإِمَام وَأَهْل مَشُورَته ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو وَفَتْح الرَّاء: مَنْ يَسْتَشِيرُهُ فِي أُمُورِهِ، قَوْله ( الْبِطَانَة: الدُّخَلَاء ) هُوَ قَوْل أَبِي عُبَيْدَة قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: { لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا } الْبِطَانَة: الدُّخَلَاء ، وَالْخَبَال: الشَّرّ اِنْتَهَى . وَالدُّخَلَاء بِضَمٍّ ثُمَّ فَتْح جَمْع دَخِيل: وَهُوَ الَّذِي يَدْخُل عَلَى الرَّئِيس فِي مَكَان خَلْوَته وَيُفْضِي إِلَيْهِ بِسِرِّهِ وَيُصَدِّقهُ فِيمَا يُخْبِرهُ بِهِ مِمَّا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أَمْر رَعِيَّته وَيَعْمَل بِمُقْتَضَاهُ" [25] ."

قال ابن جرير رحمه الله تعالى:"فنهى الله المؤمنين به أن يتخذوا من الكفار به أخلاء وأصفياء، ثم عرّفهم ما هم عليه لهم منطوون من الغش والخيانة، وبغيهم إياهم الغوائل، فحذرهم بذلك منهم" [26] ، وقد بين ابن جرير أن هؤلاء"هم الذين وصفهم تعالى ذكره بأنهم أصحاب النار هم فيها خالدون، ممن كان له ذمةٌ وعهدٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أهل الكتاب" [27] .

و قال القرطبي رحمه الله تعالى:"قوله تعالى: يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم ...الآية، فيه ست مسائل: الأولى - أكد الله تعالى الزجر عن الركون إلى الكفار وهو متصل بما سبق من قوله:"إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب" [ آل عمران: 100 ] والبطانة مصدر، يسمى به الواحد والجمع، وبطانة الرجل خاصته الذين يستبطنون أمره، وأصله من البطن الذي هو خلاف الظهر، وبطن فلان بفلان يبطن بطونا وبطانة إذا كان خاصا به."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت