فهرس الكتاب
وعليه ؛ فالسياسة الشرعية ليست محصورة فيما يصدر من حاكم ، بل تشمل بعض فتاوى المفتين من غير أهل الولاية المنصوبين ، فإنها قد تكون من باب السياسة الشرعية ، كما أشار إلى ذلك بعض العلماء ، ومن ذلك قول عبد الواحد بن الحسين الصيمري رحمه الله (ت/386) :"إذا رأى المفتي المصلحة أن يفتي العامي بما فيه تغليظ ، وهو مما لا يعتقد ظاهره ، وله فيه تأويل ، جاز ذلك زجرًا له" ( ذكره النووي في مقدمة المجموع ) ، وهذا من لبّ السياسة بمعناها الخاص كما سيأتي إن شاء الله تعالى .
-وقوله: ( من أحكام وإجراءات ) تعريف للسياسة ببيان شمولها لناحيتين: نظرية ، و تطبيقية .
فالأولى: ما يلزم سياسةً من فِعْلٍ أو تَرْكٍ ، سواء كانت في شكل أنظمة وقوانين ، أو فتوى ، أو غيرها ؛ وهي المعبّر عنها بالـ ( الأحكام ) .
والثانية: ما كان محل فعل وتنفيذ ، وحركة وتدبير ؛ وهي المعبّر عنها بـ (الإجراءات) أو الآليات .
-وقوله: ( منوطة بالمصلحة ) ، بيان لارتباط السياسة الشرعية بمراعاة المصلحة ، على اختلاف مستنداتها شرعًا ؛ وأنَّ مجالها: الأحكام المُعَلَّلَة ، ومن ثمَّ فلا بد أن تصدر عن اجتهاد شرعي ؛ وعليه ، فهو قيد يخرج به ما يلي:
1)أحكام العبادات والمُقَدَّرات ومن باب أولى مسائل الاعتقاد ؛ فليست مجالًا للسياسة الشرعية ، من حيث هي .
2)الأحكام والإجراءات الصادرة عن جهل وهوى ؛ فليست من أحكام السياسة الشرعية ، لكنها لو وافقت أحكام السياسة الشرعية ، جازت نسبتها إليها ، مع إثم مصدرها ؛ لتصرفه عن جهل وهوى . ( ينظر: مجموع فتاوى ابن تيمية: 29/43 وما بعدها ) .
-وقوله: ( فيما لم يرد بشأنه دليل خاص مُتَعَيِّن ) ، قيد يُخرج الأحكام التي ورد بشأنها دليل خاص مُتَعَيِّن ؛ فكلمة ( دليل ) تشمل النص ، والإجماع ، والقياس ؛ فالدليل هنا يقابل ( الاستدلال بطرائق الاستنباط أو ما يعرف بالأدلة المختلف فيها ) .
وكلمة ( خاص ) أي: بحكم المسألة محلَّ النظر ؛ بأن يثبت في حكمها دليل جزئي تفصيلي ؛ فما كان شأنه كذلك ، فليس من مسائل السياسة الشرعية .
وكلمة ( مُتَعَيِّن ) تُخرج المسائل الثابتة اللازمة ، التي لا تتغير أحكامها بحال ؛ إذ إنَّها مُتَعَيِّنة الحكم ، ليس أمام أولي الأمر سوى تنفيذها . كما يدخل بهذه نوعان من المسائل هما:
1)المسائل التي ثبت في حكمها أكثر من وجه ، لوجود دليل خاص لكل وجه ؛ بحيث يُخَيَّر أولوا الأمر بينها ، تبعًا للأصلح ؛ كالقتل والمنّ والفداء ، في مسألة الأسرى .
2)المسائل التي ورد في حكمها دليل خاص ، لكنَّ مناط الحكم فيها قد يتغيَّر ، ومن ثم تتغيّر الأحكام تبعًا لذلك ؛ كالمسألة التي يجيء حكمها موافقًا لعرف موجود وقت تَنَزّل التَّشريع ، أو مرتبطًا بمصلحة مُعَيَّنة ؛ فيتغيّر العرف ، أو تنتفي المصلحة ؛ ومن ثم يتغيّر الحكم تبعًا لذلك ، لا تغيُّرًا في أصل التشريع .
-وقوله: ( دون مخالفة للشريعة ) قيد مهم ، يُخرج جميع أنواع السياسات المنافية للشريعة ؛ فليست من السياسة الشرعية في شيء .
وعُبِّرَ بنفي المخالفة ؛ لأنَّه المعنى الصحيح لموافقة الشريعة ؛ فإنَّ ما جاءت به الشريعة ، وما ثبت عدم مخالفته لها ، هو في الحقيقة موافق لها: الأول من جهة النصوص ، والثاني من جهة القواعد والأصول ؛ فعدم مناقضة روح التشريع العامَّة والمقاصد الأساسية ، والأصول الكليَّة - ولو لم يرد بها نص خاص بعينه - هو ضابط السياسة الشرعية ، الذي يميزها عن غيرها من السياسات .
بهذا تمَّ الحديث عن المعنى الاصطلاحي للسياسة الشرعية ، الذي دعت إلى إيضاحه وبيانه ، نظرة الاشتباه تجاهه ، حتى لدى بعض من لهم إليه انتماء ، فضلًا عن عامَّة طلاب العلم الشرعي ، بَلْه دارسي القوانين الوضعية ، ممن قلَّت بضاعتهم في علوم الشريعة الأساسية .
ويليه - إن شاء الله تعالى - الحديث عن حجية العمل بالسياسة الشرعية .
الهوامش
1)وهذا المدلول مأخوذ من استقراء مؤلفات السياسة الشرعية ذات المنهج الفقهي الشرعي الشامل ، التي يمكن تقسيمها على النحو التالي:
أ - الأحكام السلطانية الشاملة . ( التي تشمل أحكام الإمامة العظمى وما يتفرع عنها من ولايات داخل دولة الإسلام أو خارجها ) . والسياسة عند مؤلفي هذا الفنّ لها إطلاقات ، يمكن حصرها في ثلاثة معان:
الأول: إطلاق السياسة على: ولاية شؤون الرعية ، وتدبيرها أمرًا ونهيًا ، سواء صدر ذلك من الإمام ، أو ممن دونه من الأمراء والوزراء والقضاة ، ونحوهم .
الثاني: إطلاقها على: أحكام الإمامة العظمى أو الخلافة ؛ من حيث أهلية الحاكم ، وما يجب عليه ، وما يجب على الرعية نحوه ، والأحكام التي منحها الشارع الحكيم للوالي ليتمكن من رعاية من تحته .
الثالث: إطلاقها على: التعزيرات الشرعية . فالأحكام السلطانية الشاملة ، تعالج السياسة الشرعية بهذا المفهوم الواسع .
ومن المؤلفات في هذا المعنى كتاب: الأحكام السلطانية والولايات الدينية لأبي الحسن علي بن محمد الماوردي ؛ ومثله: الأحكام السلطانية ، للقاضي أبي يعلى الحنبلي .