فهرس الكتاب

الصفحة 1437 من 1664

وفي"دار الإسلام"توجد شبكات التضامن التي تصل ساكنة أمريكا وأوربا بالمجالات الجغرافية والوطنية للعالم الإسلامي. وفي مجتمعات الاستقبال تختلف التحديات التي يواجهها المسلمون من بلد لآخر: حرب الحجاب في فرنسا، تهميش الجالية الإسلامية في ألمانيا، وتركهم في"الفيتو"في بريطانيا أو الولايات المتحدة.

ولا يفسر النشاط الديني للمسلمين الأمريكيين بخصوصية الإسلام المهاجر، بل بالوضعية الخاصة للبعد الديني، الذي هو جزء لا يتجزأ من الحياة المدنية للأمريكيين، أما في أوروبا، فتجعل المرحلة المتطورة لعلمنة الأخلاق والعقليات الاعتراف بالإسلام اكثر إشكالية.

وتظهر مسالة التنظيم المؤسساتي كقضية أوروبية، ترتبط بخصوصيات العلاقة بين الدول والكنائس اكثر منها مسالة عدم قدرة المسلمين على التكيف مع مبدإ فصل السياسة عن الدين, وإذا كانت كل الدول الأوروبية تعترف بحرية العبادة، فان مسالة الفصل بين الدولة والكنائس ليست القاعدة العامة. ويرتبط تنظيم المسلمين ومطالبهم بالإطار القانوني الموجود.

قضية الحجاب

في البلدان التي يوجد فيها اعتراف قانوني بجميع الديانات (بلجيكا وألمانيا واسبانيا) تسرع عملية إضفاء طابع المشروعية المؤسساتية على الإسلام. هكذا يعترف القانون الإسباني بتاريخ 26 يناير 1992 بحق ممارسة شعائر الدين الإسلامي، التي تضم معظم المجتمعات والفدراليات الإسلامية. ومنذ 1974، اعترفت بلجيكا بممارسة الشعائر الإسلامية، ولعبت دورا رائدا في أوربا، حتى ولو انتظرت عام 1988 لانتخاب المجلس الإسلامي المخاطب الوحيد للدولة البلجيكية.

وترجع مقاومة الاعتراف بالإسلام إلى مسألة عقليات أكثر منها مسألة عوائق مؤسساتية، وفي ألمانيا، تصطدم مطالبة أهم الجمعيات الإسلامية بالاعتراف بها كمنظمات دينية (الاستفادة، مثلا، من الإعفاء الضريبي) بعائق أساسي هو أن المجتمع الألماني ليس مستعدا للاعتراف بالإسلام.

وفي الحالات التي يوجد فيها دين الدولة (في بريطانيا أو الدانمارك أو اليونان) ، تمنح ديانة الأقليات نفس الحقوق. ومنذ وقت طويل، يناضل المسلمون البريطانيون لتقبل الدولة المدارس الإسلامية. ولايشكل الاعتراف مؤخرا بالمدارس التي يشرف عليها يوسف إسلام (هو المغني الشهير،"كات ستيفنس"الذي أسلم في السبعينات) إلا تقدما محدودا للإسلام في بريطانيا.

وحتى في البلدان التي تفصل بشكل حاسم بين الدين والدولة، مثل فرنسا، فما زالت مسألة المشروعية المؤسساتية مطروحة. ومنذ 1989، اصبح تنظيم الإسلام قضية الدولة في فرنسا، بحيث حث وزير الداخلية التيارات والجمعيات الإسلامية على تقريب وجهات نظرها، لكنه لم يفلح في الأمر. وآخر المستجدات في الموضوع، عرفها شهر أكتوبر 1999، إذ اقترح وزير الداخلية على الجمعيات الإسلامية توقيع نص يذكر بالمبادئ القانونية المؤسسة للعلاقة بين الدين والدولة قابل للتطبيق على تنظيم الإسلام في فرنسا, ورغم رفض بعض قياديي الجمعيات الإسلامية للأمر الذي اعتبروه منافيا لروح قانون العلمانية، فقد وقع معظم ممثلي الإسلام الفرنسي على هذا النص، بتاريخ 28 يناير2000.

ومنذ ذلك الحين، تتواصل المشاورات.

والمصاعب التي تعترض مؤسسة الإسلام في فرنسا ناجمة عن الفهم الضيق للعلمانية. هذا الفهم يدعو إلى إقصاء الرموز الدينية من المجال العمومي. وهو يهيمن في المؤسسة التعليمية, ونتجت عنه معركة لاهوادة فيها حول لبس الحجاب. ومع ذلك، دأب مجلس الدولة، منذ 1989, على التأكيد على أن حمل الرموز الدينية لا يتعارض مع مبدأ العلمانية.

أما في الولايات المتحدة، فلا تطرح مسألة تنظيم وإضفاء المشروعية المؤسساتية على الإسلام، بحيث تعتبر الدول الفدرالية الشؤون الدينية قضية تعني المجتمع المدني فقط ,.ويكمن الاختلاف الأساسي بين أوروبا والولايات المتحدة في وضعية الدين داخل المجتمع.

ورغم الفصل القاطع بين الدولة والأديان في الولايات المتحدة، فهي أكبر دولة متدينة في العالم الغربي. أما أوروبا فتعرف تغلغلا للعلمانية، وينتج عن هذا، أن الحياة اليومية للمسمين الأمريكان أيسر من المسلمين الأوروبيين، ويشكل الإسلام مكونا من ضمن مكونات أخرى في المشهد الديني الأمريكي.

ومع ذلك لا يجب أن نخلص لوجود قبول كامل للإسلام في المجتمع الأمريكي , فلازالت الأحكام المسبقة والتمييز، هي رموز المفارقة الأمريكية القائمة حتى الآن. ونلمس هذا مثلا في وسائل الإعلام، بحيث تتفق نشرات الأخبار المتلفزة وأفلام هوليود على جعل الإسلام مشابها للإرهاب، وهذه النظرة قد تؤثر على المسلمين في حياتهم اليومية. فبعد تفجير مركز التجارة العالمي، تعرض المسلمون الأمريكيون للتحرش والتهديد. وهذا يذكرنا بتنامي مشاعر العداء تجاه الشباب المغربي الفرنسي عقب التفجيرات التي عرفتها باريس عام 1995.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت