فهرس الكتاب
وبلادنا هذه حباها الله جل وعلا بمميزات كثيرة قلما يوجد نظيرها كاحتضانها للمقدسات الإسلامية والبقاع الطاهرة ، فهي بلاد التوحيد بلاد الحرمين وقبلة المسلمين ومهوى أفئدة المسلمين جميعًا، وما تتمتع به من الإيمان والأمن والاستقرار، وحفظ الأعراض والأموال، لذا لابد من مراعاة خصوصية هذا البلد الدينية قبل الخوض في شأن السياحة.
ولئن كانت السياحة عند القوم سفورًا وتعريًا ولهوًا ومتعةً جسديةً فهي في الإسلام عبادة يؤجر المرء عليها ولها في القرآن والسنة الثناء الجميل والذكر النبيل فلقد وردت السياحةُ في كتابِ اللهِ وسنةِ رسوله صلى الله عليه وسلم تحملُ معاني ساميةً، وارتبطَ وصفُ السائحينَ بنماذجَ عاليةٍ من البشر، يقولُ تعالى في وصفِ الذين اشترى اللهُ منهُم أنفسَهم وأموالهم بأنَّ لهُم الجنة: (( التَّائِبُونَ العَابِدُونَ الحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ المُنكَرِ وَالحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ) ) (سورة التوبة:112) . والسائحون هم: الصائمون في قول أكثر المفسرين ، واستدُلَ لهُ بقولهِ تعالى في وصفِ نساءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم (( عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ) ) (سورة التحريم:5) . وبما وردَ في الحديثِ عن عائشةَ -رضي الله عنها- مرفوعًا: (( سِيَاحَةُ هَذهِ الأَمةُ الصِيَامُ ) )وكذا فسرَ السياحةِ بالصيام؛ أَبو هريرةَ، وابن مسعودٍ، وابن عباسٍ، وعائشة وغيرهم- رضي الله عنهم- . وقال عطاء: السائحون: هُمُ الغزاةُ المُجاهِدُونَ في سبيلِ الله، وقيل السائحون: المُهاجِرون. وقيل: السفر في طلب العلم قال عِكرِمةَ السائحونَ: هم طلبةُ العلمِ، وقيل: سياحةُ القلب في معرفة الله ومحبته . قال الشيخ ابنُ سعدي رحمه الله:"والصحيح أن المراد بالسياحة السفر في القربات ، كالحج والعمرة، والجهاد وطلب العلم، وصلة الأقارب، ونحو ذلك"أهـ.
هذا هو مفهوم السياحة في الإسلام!!
سياحة تظهر دين الله وتحميه وتنصره قال صلى الله عليه وسلم:"إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله"رواه أبو داود بإسناد صحيح .
سياحة للنظر والتدبر والتأمل والتفكر في ملكوت الله ، ( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (الأنعام:11) ، وقال سبحانه: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) (النمل:69) ، وقال جل ذكره: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (العنكبوت:20) . سياحة لطلب الرزق وتأمين الأمة معيشيًا ، سياحة لطلب العلم والفكر والخير والدعوة إلى الله. هذا مفهوم السياحة في الإسلام.
وقد دُنِّسَ هذا اللفظُ حيثُ أصبحَ مُصطلحًا مُعاصِرًا تُشَمُّ منهُ رائحةَ التلوثِ العقدي ، والفسادَ الأخلاقي، والتحللَ من الضوابطِ والقيمِ، فإلى اللهِ المُشتكي، وحسبُنا اللهُ ونعم الوكيل .
والسياحة مفهومها الحالي يخالف مفهوم الإسلام طريقة وهدفًا فلماذا كان أسلافنا يسافرون ؟! كانوا يسافرون دعوة إلى الله وجهادًا والآن أصبح السفر والسياحة عند سافر داعيةً- رضي الله عنه -البعض للجنس والشهوة والعبث واللهو!! لماذا سافر مصعب بن عمير ومعلمًا للقرآن؟! لا وليًا للكفر ولا مهادنًا ولا لاعبًا ولا لاهيًا.
لقد وطئ سلفنا الصالح بلاد الكفر وفرنسا وأوربا وآسيا لا جلوسًا على الحانات ولا ارتيادًا للخمارات ولا تصدرًا لموائد القمار والمسارح ولا جلوسًا في مدرجات الكرة ولا معانقة للباغيات والمومسات كلا !!
بل وطئوها ليخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ظلم وجور الأديان إلى نور وعدل الإسلام.
إنه لمن المحزن المبكي أن أصبحت السياحة والسفر إلى بلاد الكفار موضع افتخار بعض المخدوعين من المسلمين فهذا يفتخر أن ابتعث للدراسة هناك، أو أن له ولدًا يدرس في الدول الغربية، وهذا يتبجح بقضائه الإجازة كل عام متنقلًا بين شواطئ أوربا وسهولها وجبالها دون تفكير في النتائج أو تقدير للعواقب..
ثم إن هؤلاء إذا ذهبوا ذابت شخصياتهم مع الكفار فلبسوا لباسهم واقتدوا بآثارهم حتى النساء المسلمات يخلعن ثياب الستر والعفاف ليلبسن لباس الكافرات والداعرات؟!! فلماذا نعطي الدنية في ديننا ؟! وكيف يستبدل المسلم الذي هو أدنى بالذي هو خير؟!، وكيف يتنازل من علياء إيمانه إلى حضيض ومزبلة الكفر...
إن من أعجب العجب أن الكفار إذا جاؤوا إلى بلادنا لا يغيرون أزياءهم ولا يتحولون عنها؟! وبعض المسلمين على العكس من ذلك إذا ذهب إليهم تحول إلى عاداتهم وجال في حاناتهم وجاس في الملاهي والمسارح والشواطئ..