فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 1664

وَهِيَ الْخُرُوجُ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا * . الْآيَاتِ . وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ مُسْلِمٍ بَيْنَ مُشْرِكَيْنِ , لَا تَرَاءَا نَارَاهُمَا * . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد . وَمَعْنَاهُ لَا يَكُونُ بِمَوْضِعٍ يَرَى نَارَهُمْ , وَيَرَوْنَ نَارَهُ , إذَا أُوقِدَتْ . فِي آيٍ وَأَخْبَارٍ سِوَى هَذَيْنِ كَثِيرٍ . وَحُكْمُ الْهِجْرَةِ بَاقٍ , لَا يَنْقَطِعُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ . وَقَالَ قَوْمٌ: قَدْ انْقَطَعَتْ الْهِجْرَةُ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ * . وَقَالَ: قَدْ انْقَطَعَتْ الْهِجْرَةُ , وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ * . وَرُوِيَ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ لَمَّا أَسْلَمَ , قِيلَ لَهُ: لَا دِينَ لِمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ . فَأَتَى الْمَدِينَةَ , فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: مَا جَاءَ بِك أَبَا وَهْبٍ ؟ قَالَ: قِيلَ إنَّهُ لَا دِينَ لِمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ . قَالَ: ارْجِعْ أَبَا وَهْبٍ إلَى أَبَاطِحِ مَكَّةَ , أَقِرُّوا عَلَى مَسَاكِنِكُمْ , فَقَدْ انْقَطَعَتْ الْهِجْرَةُ , وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ * . رَوَى ذَلِكَ كُلَّهُ سَعِيدٌ . وَلَنَا مَا رَوَى مُعَاوِيَةُ , قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ , وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا * . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد . وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ , قَالَ: لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا كَانَ الْجِهَادُ * . رَوَاهُ سَعِيدٌ , وَغَيْرُهُ , مَعَ إطْلَاقِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا , وَتَحَقُّقِ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لَهَا فِي كُلِّ زَمَانٍ . وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْأُوَلُ , فَأَرَادَ بِهَا لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ مِنْ بَلَدٍ قَدْ فُتِحَ . وَقَوْلُهُ لِصَفْوَانَ:"إنَّ الْهِجْرَةَ قَدْ انْقَطَعَتْ". يَعْنِي مِنْ مَكَّةَ ; لِأَنَّ الْهِجْرَةَ الْخُرُوجُ مِنْ بَلَدِ الْكُفَّارِ , فَإِذَا فُتِحَ لَمْ يَبْقَ بَلَدَ الْكُفَّارِ , فَلَا تَبْقَى مِنْهُ هِجْرَةٌ . وَهَكَذَا كُلِّ بَلَدٍ فُتِحَ لَا يَبْقَى مِنْهُ هِجْرَةٌ , وَإِنَّمَا الْهِجْرَةُ إلَيْهِ . إذَا ثَبَتَ هَذَا , فَالنَّاسُ فِي الْهِجْرَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ; أَحَدُهَا , مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ , وَهُوَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهَا , وَلَا يُمْكِنُهُ إظْهَارُ دِينِهِ , وَلَا تُمْكِنُهُ إقَامَةُ وَاجِبَاتِ دِينِهِ مَعَ الْمُقَامِ بَيْنَ الْكُفَّارِ , فَهَذَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * . وَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ . وَلِأَنَّ الْقِيَامَ بِوَاجِبِ دِينِهِ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ , وَالْهِجْرَةُ مِنْ ضَرُورَةِ الْوَاجِبِ وَتَتِمَّتِهِ , وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ . الثَّانِي ; مَنْ لَا هِجْرَةَ عَلَيْهِ . وَهُوَ مَنْ يَعْجِزُ عَنْهَا , إمَّا لِمَرَضٍ , أَوْ إكْرَاهٍ عَلَى الْإِقَامَةِ , أَوْ ضَعْفٍ ; مِنْ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ وَشِبْهِهِمْ , فَهَذَا لَا هِجْرَةَ عَلَيْهِ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: إلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا * . وَلَا تُوصَفُ بِاسْتِحْبَابٍ ; لِأَنَّهَا غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهَا . وَالثَّالِثُ , مَنْ تُسْتَحَبُّ لَهُ , وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ . وَهُوَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهَا , لَكِنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ إظْهَارِ دِينِهِ , وَإِقَامَتِهِ فِي دَارِ الْكُفْرِ , فَتُسْتَحَبُّ لَهُ , لِيَتَمَكَّنَ مِنْ جِهَادِهِمْ , وَتَكْثِيرِ الْمُسْلِمِينَ , وَمَعُونَتِهِمْ , وَيَتَخَلَّصَ مِنْ تَكْثِيرِ الْكُفَّارِ , وَمُخَالَطَتِهِمْ , وَرُؤْيَةِ الْمُنْكَرِ بَيْنَهُمْ . وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ ; لِإِمْكَانِ إقَامَةِ وَاجِبِ دِينِهِ بِدُونِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت